كلمة المترجم والمحرر مصطفى طه، مدير تحرير موقع المترجم في سيمنار ترجمان الأول “أخلاقيات الترجمة وحقوق المترجم”.
كيف نترجم كلمة Doctor وكلمة Nurse؟ وكيف يتصرف المترجم حين يلاحظ استخدام الصحافة الأجنبية لكلمة Hostage في حالة المحتجز الإسرائيلي وكلمة Prisoner في حالة الفلسطيني؟
هذه الأسئلة ليست فقط عن الترجمة كعملية نقل لغوية للمعنى، وإنما تتساءل عن أبعاد يتعاطى معها المترجم بحسب السياق الأوسع للنص. فمقدم الرعاية الصحية قد يكون ذكرًا أو أنثى في كلا الدورين، والإسرائيلي رهينة بينما الفلسطيني سجين في إطار المنظومة الدولية المجحفة التي تسقط حق أصحاب الأرض. والمترجم هنا، إن تجاوز الترجمة كفعل لغوي مجرد إلى تلك الأبعاد الأوسع، يُسائل النص وكلماته بناءً على قضايا اجتماعية وجندرية وسياسية عديدة. هكذا يتحول إلى صمام أمان أخلاقي كما يصفه المُنظِّرون.
ماذا يحدث إذن حين يتراجع دور المترجم لصالح الآلة؟ من يطرح هذه الأسئلة وغيرها؟ ومن يحدد معايير صمام الأمان الجديد وفقًا لهذا النموذج؟ هذه هي الإشكاليات التي قلَّما تُثار في ظل التبني الفعلي المتزايد حاليًا لأدوات الذكاء الاصطناعي، واقتصار الجدل الدائر حوله على الخوف من هيمنته أو التشجيع عليها. نحاول هنا طرح هذه الأسئلة، لا تقديم إجابات. لعل مناقشتها بصوتٍ عالٍ تشجع على الخروج بحلول على المستويين الفردي والجماعي.
أين نصيبي؟!
تتعلق المجموعة الأولى من الأسئلة بالجانب الاقتصادي لمجال الترجمة. فقرار تبني أدوات الذكاء الاصطناعي دافعه الأساسي عادة على مستوى الشركة يكون تقليل النفقات وزيادة الإنتاجية، ما يعني على الأرجح تحقيق المزيد من الأرباح في مقابل تراجع فرص العمل المتاحة للمترجمين، خاصة المبتدئين. وهنا تظهر عدة أسئلة:
-
هل نحتاج إلى تشريعات ضريبية في حالة استخدام الذكاء الاصطناعي، لتخصيص جزء من الأرباح الإضافية للخدمات العامة كالصحة والتعليم وخلافه؟
-
هل من المفترض أن تخصص الشركات جزءا من الربح الزائد لتعويض الموظفين السابقين الذين تضررت دخولهم من جراء تبني الذكاء الاصطناعي؟
-
ماذا عن المبتدئين، الذين تراجعت المساحة المتاحة لهم في سوق العمل لصالح الذكاء الاصطناعي، هل على الشركات أن توفر لهم برامج تدريبية مدفوعة لإكسابهم الخبرة اللازمة، أو أن تمول المؤسسات التعليمية مثلًا لتطوير المناهج؟
-
وبالنسبة للموظفين الحاليين، من المعروف أن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يضر بالمهارات مع الوقت، فهل من المفترض بالشركات أن تضع تدابير لتقليل ذلك الضرر؟
من المسؤول؟
في الترجمة البشرية، يمكنك إيعاز الخطأ في الترجمة مباشرة إلى مترجم أو مراجع أخطأ في فهم جملة ما أو لم يراعي سياق ثقافي معين. لكن في أدوات الذكاء الاصطناعي، قد تعود الأخطاء إلى البيانات التي تدربت عليها الأدوات، أو إلى الكود البرمجي للأداة، أو إلى المعطيات التي توفرت لها أثناء الترجمة، أو إلى ضيق وقت المراجعة نظرًا لزيادة الإنتاج والكميات المطلوبة، أو إلى مهارات المترجم نفسه، وهكذا.
من يتحمل إذن المسؤولية في هذه الحالة، وبالأخص في السياقات التي قد تنطوي على مسؤولية قانونية، مثل أخطاء الترجمات الطبية أو نصوص العقود؟ تُخلي شركات الذكاء الاصطناعي مسؤوليتها بالإشارة دومًا إلى أن أدواتها تُخطئ وينبغي مراجعة ناتجها، لكن هل يتوفر للمترجم أو المراجع المسؤول ما يكفي من الوقت والموارد لرصد الأخطاء؟
كيف نتعامل مع التحيزات؟
صحيح أن أدوات الذكاء الاصطناعي “آلية”، لكنَّ ذلك لا يعني أنَّها محايدة. فهي تتدرب على مجموع ما أنتجناه نحن البشر من نصوص وبيانات. وهذا قد يسفر عن تحيزات مختلفة ينبغي الانتباه لها:
-
كيف يتعامل الذكاء الاصطناعي عند ترجمة النصوص المتعلقة بقضايا التحرر والمقاومة وقضايا السياسة، كما في حالة فلسطين مثلًا، خاصة وأنَّ نتائجه تخضع لمعايير رقابية من مطوريه، ومعظمهم ينتمون لشركات لها سجل معروف في المصادرة على حق المستخدمين في التعبير؟
-
كيف يتعامل الذكاء الاصطناعي مع التحيزات الجندرية المتعلقة بالأدوار الاجتماعية، كما في حالة مثال مقدمي الرعاية الصحية الذي ذكرناه؟
-
ماذا عن مصير اللهجات واللغات ذات الموارد القليلة، سواء تلك التي يتسم محتواها الإلكتروني بالندرة والرداءة (مثل العربية)، أو التي تشح مواردها تمامًا ويقل عدد متحدثيها فتكاد تختفي من بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي؟ هل سيؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي إلى مزيد من الانحسار والتدهور لتلك اللهجات واللغات وثقافاتها؟
-
هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي على مساحة الإبداع في اللغات كونه يعتمد على الإنتاج السابق للبشر؟ وبالتالي سيقضي على تطور لغات بعينها وتتجمد عند لحظة زمنية معينة؟
كيف نراعي الخصوصية والملكية الفكرية؟
تشيع في مجال الترجمة اتفاقيات عدم الإفصاح، والتي تلزم المترجم بالحفاظ على سرية ما يطلع عليه من وثائق، لاحتوائها على بيانات حساسة تخص أشخاص أو مؤسسات، كالتاريخ المرضي أو المالي وخلافه. المشكلة هنا أن النسخ المتاحة للعامة من أدوات الذكاء الاصطناعي تخزن محادثاتها مع المترجم على خوادم الشركة المطورة للأداة، وذلك لأغراض التدريب والتوثيق، فماذا يعني هذا للبيانات الحساسة الواردة في النصوص؟
هذه المسألة بالأخص مسألة تقنية لا ينتبه لها المترجمون والشركات، وقد تؤدي لإشكالات قانونية ودعاوى في المحاكم نظرا لإفشاء المعلومات الحساسة هذه، كما أن فيها تعدي على حقوق أصحاب البيانات. فهل نحتاج إذن إلى لوائح أو مدونات سلوكية، تضبط استخدام الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحدد طبيعة النصوص التي يمكن ترجمتها من خلاله، ونوعية النسخ التي يجوز الاعتماد عليها من البرامج؟
المسألة الثانية هنا هي أن أدوات الذكاء الاصطناعي مُدربة على شتى أنواع البيانات، ومنها كتب وروايات ومقاطع فيديو وأغاني ونصوص لها مؤلفين وكتاب ومترجمين، يملكون حق استخدامها والتصرف فيها. فكيف نضمن إذن ألا يستخدم الذكاء الاصطناعي أجزاء من ترجمات أخرى أو كتب ونصوص دون إذن أصحابها؟
وماذا عن الترجمة الناتجة عن أدوات الذكاء الاصطناعي، من يملك حق ملكيتها الفكرية، هل المترجم أم الأداة، وبالتالي الشركة المطورة لها؟ بعض المصادر تقول إن السوابق القانونية تجعل الترجمة الناتجة ملكية عامة، فهل يحق لمترجم أو شركة أخرى التصرف فيها من هذا المنطلق؟
بالطبع هناك أسئلة أخرى وإشكاليات غير تلك، والهدف من طرحها وإثارة النقاش حولها هو التفكير في آليات وتدابير لجني فوائد الذكاء الاصطناعي دون التسبب في أضرار أكبر.

يهتم موقع “ترجمان” بمجال الترجمة في العلوم الإنسانية والاجتماعية والأدب، وهو مشغول بطرح الجدالات عن الترجمة دراسة وتطبيقا، ويهتم بأخبار الترجمة في العالم العربي، وبدراسات الترجمة في العالم، والنقاش مع المترجمين عن تجاربهم، وإقامة مجتمع من المترجمين لرفع الوعي بأوضاع مهنة الترجمة وأخلاقياتها.


مقال رائع وتساؤلات نبحث عن إجابات لها