أجرت الحوار: سماح سليم
هالة كمال أكاديمية ومترجمة نسوية مصرية وعضوة مؤسّسة في مؤسسة المرأة والذاكرة بالقاهرة، أستاذة الأدب الإنجليزي ودراسات الجندر في قسم اللغة الانجليزية بجامعة القاهرة، تهتم بشكل خاص بدراسات الجندر والدراسات النسوية وتاريخ الحركة النسوية المصرية، بالإضافة إلى اهتمامها بالترجمة من حيث النظرية والتطبيق، تعد من أبرز المترجمات النسويات في مصر. من أحدث ترجماتها إلى العربية “جدتي وأمي وأنا مذكرات ثلاثة أجيال من النساء العربيات” للكاتبة الفلسطينية جين سعيد المقدسي (القاهرة: المركز القومي للترجمة 2023) و”هيرلاند بلد النساء” للكاتبة الأمريكية شارلوت بيركنز جيلمان (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 2025).
- كيف أصبحت مترجمة؟
حين أفكر في تجربتي مع الترجمة أرى أنني بدأت بالترجمة قبل الكلام. حيث نشأت في أسرة الوالد فيها مصري والوالدة بولندية. وكانا قد تعرفا خلال بعثة دراسية لوالدي لمدة عام، تعلم فيها قليلا من اللغة البولندية، بينما درست والدتي اللغة العربية في قسم الدراسات الشرقية بجامعة وارسو. وبالتالي كانت تعرف اللغة الفصحى قبل أن تتعرف على العامية المصرية. ولكنهما حين التقيا كانت لغة الحديث بينهما هي اللغة المشتركة حينذاك وهي اللغة الإنجليزية. وعند مولدي (وأنا الابنة الكبرى) استشارا د. محمود حجازي، وهو أستاذ اللغويات (الراحل) في قسم اللغة العربية بآداب القاهرة، الذي كان حينها قد عاد للتو بعد حصوله على الدكتوراه في اللغويات من إحدى الجامعات الألمانية. فنصحهما بأن تحدثني أمي منذ ولادتي بالبولندية وأن يحدثني أبي بالمصرية، بينما يتحدثان فيما بينهما كالمعتاد بالإنجليزية كل بلكنته. وكان هذا في رأيه يضمن أن أكتسب اللغة البولندية دون لكنة عربية وأن أكتسب اللهجة المصرية دون لكنة بولندية. أما الإنجليزية فكنت سأتعلمها في المدرسة. وهو ما حدث بالفعل، حيث نشأت في بيت يتحدث بلغات ثلاثة، بينما تعلمت الإنجليزية والفصحى في المدرسة.
أما عن علاقة ذلك بالترجمة المبكرة، فهي كما أتذكرها تتمثل على سبيل المثال في الترجمة التلقائية بين ما يقوله لي أبي وأمي. فعلى سبيل المثال إذا تخيلنا طفلة صغيرة تقول لها والدتها صباحا حان موعد الإفطار بالبولندية، ثم يكرر الأب ذلك قائلا لي بالمصرية، فلا بد أن عملية الترجمة كان تتم تلقائيا في الذهن حتى قبل الكلام. وقد قالت لي والدتي أن تعرضي المباشر للغتين البولندية والمصرية جعلني أتأخر قليلا عن أقراني في البدء بالكلام، ولكني حين نطقت تحدثت باللغتين. وبالتالي لا بد وأني كنت أترجم ما يقال لي قبل أن أتكلم. أما ما أتذكره منذ طفولتي وحتى آخر أيام والدتي ووالدي أنني كنت أترجم الكثير من الكلام بين اللغتين. فعلى سبيل المثال حين كان يأتي موعد الخروج فيقول لي والدي “قولي لماما إني جاهز” فكنت أقول لأمي هذه الجملة بالبولندية. وكذلك حين كانت أمي مثلا تقول لي بالبولندية أن أخبر والدي أن شخصا ما قد اتصل به في غيابه فكنت أنقل له الجملة وأقولها بالمصري. وقد تكرر ذلك مع شقيقتيّ الاثنتين لاحقا. وكان هذا يتم بشكل تلقائي لم نلتفت إليه إلا حين تزورنا صديقاتنا فيجدننا نتنقل بين اللغتين البولندية المصرية بتلقائية عند حديثنا مع والدينا بينما كانت اللغة الإنجليزية هي المشتركة فيما بينهما وبالتالي نشأنا نفهمها، ثم تعلمناها في المدرسة. وكانت الترجمة تتم بشكل أكبر وأوضح حين نكون في أوساط بولندية أو مصرية، حيث نلجأ إلى لترجمة بصورة واعية. مثلا عن زيارة أقرباء لنا من بولندا كنا نترجم ما بين اللغتين في المطاعم والمحلات والأماكن العامة، ومع الأقرباء والأصدقاء بل والمرشدين السياحيين في مصر، حيث لم تكن اللغة الإنجليزية شائعة بين جيلي من البولنديين الذين نشأوا في ظل الشيوعية. وكان والدي أيضا يستعين بي لأترجم له ما لا يحسن التعبير عنه باللغة البولندية. وهي كلها تندرج تحت ما يعرف بممارسات الترجمة الشفاهية ما بين الفورية والتتابعية. وأعتقد أن هذه النشأة وبالتالي الترجمة التلقائية ليس حكرا على أسرتنا، وإنما هي ظاهرة متكررة في كل من ينشأ داخل لغتين وثقافتين أو أكثر. والترجمة هنا هي مسار مواز لاكتساب اللغة، بينما تكون الترجمة كممارسة واعية أقرب إلى مسار تعلّم اللغة وهي مختلف عن الاكتساب التلقائي للغة.
- ما هي أولى كتاباتك المترجمة؟
أولى كتاباتي المترجمة ترجع إلى مرحلة الماجستير في جامعة القاهرة عندما دعتني د. هدى الصدة إلى ترجمة بعض القصص القصيرة لكاتبات هنديات من الإنجليزية إلى العربية لنشرها في أحد الأعداد الأولى من مجلة “هاجر”. ولعلها كانت المرة الأولى التي يكتب اسمي فيها كمترجمة. أما الكتاب الأول فكان ضمن إصدارات المشروع القومي للترجمة الذي أسسه د. جابر عصفور في التسعينيات، حيث تضمن مجموعة من الكتب في الفكر النسوي، ومنها كتاب ليلى أحمد عن النساء في الإسلام، وكانت زميلتي د. منى إبراهيم ستقوم بترجمته، واقترحت هي أن نقوم بتقسيم الترجمة فيما بيننا بحيث تتولى هي ترجمة الجزء الأول الذي يتناول التاريخ ما قبل الحديث، بينما أقوم أنا بترجمة الجزء الخاص بالعصر الحديث. وقد صدر الكتاب في عام 1999 في إطار مؤتمر قاسم أمين الذي عقده المجلس الأعلى للثقافة. وكنت قد سافرت في أغسطس 1999 بعد تسليم الترجمة وقبل نشر الكتاب، ولم أعد إلا بعد نهاية العام الدراسي (حيث كنت قد التحقت ببرنامج دبلوم دراسات النساء في كلية سميث بالولايات المتحدة)، وعلمت خلال سفري وبعد عودتي بكثير من التفاصيل حول الهجوم الذي تعرض له الكتاب من القوى الرجعية بل والدعوة إلى حرق الكتاب ضمن كتب أخرى ربما جاءت صادمة للبعض لكونها باكورة نشر الفكر النسوي باللغة العربية. وصحيح أنه لم يتم حرق الكتاب، ولكنه ما لبث وأن نفذ ولم يعد متاحا سواء بسبب نفاذه فعليا أو إخفائه قسريا! وعلى أية حال كان لهذا الكتاب الفضل في توجيه بوصلتي الترجمية نحو الفكر النسوي وهي البوصلة التي لم أحد عنها منذ ذلك الحين.
- لقد نشأتِ وأنتِ تتحدثين أربع لغات: العربية الفصحى، والعامية المصرية، والبولندية، والإنجليزية. هل جربتِ الترجمة إلى لغات أخرى؟
سبق لي ترجمة بعض المسرحيات القصيرة إلى اللغة الإنجليزية ضمن مهرجانات مسرحية في مصر، ولكن كان ذلك منذ سنوات بعيدة ولا أحتفظ بنسخ من تلك الإصدارات، ولكني ترجمت أيضا إلى اللغة الإنجليزية كتابا صادرا عن المجلس القومي للمرأة في بداية الألفية عن “مسيرة المرأة المصرية” تأليف هدى الصدة وعماد أبو غازي. وقد ترجمت الكتاب بعنوان (Significant Moments in the History of Egyptian Women) وقامت بمراجعة الترجمة أستاذتي في الجامعة د. جليلة-آن راغب.
أما بالنسبة للغة البولندية فقد قمت في نهاية التسعينيات بترجمة مقالة عن توفيق الحكيم، كانت والدتي قد كتبتها باللغة البولندية أثناء دراستها لدرجة الدكتوراه. وقد ترجمتها من البولندية إلى العربية وقامت والدتي بمراجعتها بشكل غير رسمي، بل كنت أترجم المقالة بالاشتراك معها. وقد صدرت ضمن كتاب تذكاري عن توفيق الحكيم ولكني أعتقد أنها صدرت باسمها دون إدراج اسمي كمترجمة. كما صدرت لي أكثر من دراسة أكاديمية عن الأدب والثقافة العربية كتبتها باللغة البولندية ولكني أعترف بالطبع أن مسار الكتابة كان يتضمن أيضا كثيرا من الترجمة للأفكار من العربية إلى البولندية حيث أنني لا أمارس البولندية كلغة أكاديمية وبالتالي أجدني في المواقف الأكاديمية أقوم بترجمة أفكاري على المستوى الذهني بشكل تلقائي، وهو ما حدث لي أيضا حينما دعيت أكثر من مرة لإلقاء محاضرات باللغة البولندية. ولكنها ترجمة خفية على مستوى التفكير لا الممارسة الواعية لفعل الترجمة.
أما العمل الوحيد المنشور الذي شاركت فيه بالترجمة من اللغة البولندية إلى العربية فهو كتاب صدر العام الماضي عن المركز القومي للترجمة عن تاريخ موجز للأدب البولندي، جاء بمبادرة من المترجمة البولندية أجنيشكا بيوتروفسكا، حيث اشتركنا في ترجمة هذا الكتاب. وفي الحقيقة أتمنى أن تواتيني فرص أكثر للترجمة من البولندية إلى العربية، خاصة وأن الأدب البولندي وخاص الشعر البولندي في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين الذي يحمل ملامح الشعر الرومانسي الذي يذكرني بشعر مدرسة أبوللو وأدب المهجر. وكذلك الكتابات الذاتية بأقلام النساء البولنديات، والتي تتقاطع مع تجارب النساء العربيات.
- حدَّثينا عن واحدة أو اثنتين من ترجماتك المفضلة (سواء كانت لك أو لشخص آخر)
أنا مغرمة برواية لطيفة الزيات “الباب المفتوح” (1960) وأراها من أهم الكتب التي شكلت وعيي النسوي حين قرأتها خلال سنوات دراستي الجامعية، ولذا أعتبر ترجمة مارلين بوث للرواية إلى اللغة الإنجليزية من الكتب المترجمة المفضلة لي، ليس فقط بسبب براعة الترجمة وهي الأكاديمية المتخصصة في الدراسات العربية، وإنما لدوره في مواجهة الصورة النمطية للمرأة المصرية والعربية، وبالتالي أهمية إتاحة هذا الكتاب باللغة الإنجليزية مما يمكنني من إدراجه ضمن مقرراتي الدراسية كلما أمكن ذلك.
أما ترجمتي المفضلة حتى الآن فهي كتاب جين سعيد المقدسي “جدتي وأمي وأنا: مذكرات ثلاثة أجيال من النساء العربيات”. وكان الكتاب قد صدر في بدايات الألفية، وقرأته فور صدوره حين أعارتني أستاذتي د. هدى جندي نسختها من الكتاب لاهتمامي الأكاديمي بنظرية وأدب السيرة الذاتية وكتابة الحياة (وكان هو موضوع رسالتي للدكتوراه تحت إشرافها). وفضلا عن أنني كتبت أول بحث لي ما بعد الدكتوراه كدراسة مقارنة بين مذكرات جين سعيد المقدسي ومذكرات شقيقها إدوارد سعيد، إلا أنني ظللت مغرمة بالكتاب وأعود إليه من آن إلى آخر لفهم تاريخ النساء في منطقتنا العربية في سياق التاريخ السياسي والاجتماعي من منظور جين سعيد المقدسي، النسوية الحكيمة العليمة والباحثة المدققة والكاتبة المرهفة. وفي أعقاب ثورة يناير 2011 عدت إلى الكتاب مرة أخرى لمحاولة فهم الحاضر في سياق الماضي المستمر. وحين دعيت إلى تدريس مقرر أدب السيرة الذاتية باللغة العربية مع أستاذتي الدكتورة أمينة رشيد، ضمن برنامج دراسات الإبداع في كلية الآداب، وهو برنامج بيني يدرس باللغة العربية، أردت إدراج مذكرات جين سعيد المقدسي ضمن القراءات المقررة، فشرعت في ترجمة أجزاء من الكتاب إلى اللغة العربية لاستخدامه في النقاش مع الطالبات والطلاب. وبعدها بعدة سنوات تقدمت بمقترح ترجمة الكتاب إلى المركز القومي للترجمة، ليصدر أخيرا في عام 2023. وفضلا عن أهمية الكتاب وأسلوبه الرائع في الجمع بين الكتابة الذاتية والتأمل الفكري والتوجه النسوي، فإن عملية الترجمة نفسها كانت تجربة رائعة تضمنت حوارات ونقاشات جمعتني بالمؤلفة على مدار شهور ألقت بإضاءات على الكتاب والترجمة والحياة.
- أنتِ تتحدثين هنا عن الترجمة من منظور عملي، كوسيلة للتواصل مع جمهور محدد، لتثقيف هذا الجمهور أو فتح آفاق أوسع أمامه –طلابكِ مثلا، أو القارئ الناطق باللغة الإنجليزية الذي يحمل في ذهنه صوراً نمطية مسبقة عن المرأة العربية والمصرية. هل تعتبرين الترجمة مهنة تقدم خدمة للمجتمع؟
أرى أن مجال دراستي وعملي مرتبط مباشرة بالمجتمع وهمومه، حيث إن دراسة الأدب والنقد بشكل عام والفكر النسوي بصورة خاصة تفتح مساحات للنقاش حول السياقات التاريخية والثقافية والسياسية، وفي حالتي أهتم تحديدا بالسياقات الاجتماعية المتعلقة والمحيطة بمكانة النساء في المجتمعات والصور النمطية التي تسعى إلى حصرهن في أدوار اجتماعية محدودة. وقد أدركت منذ فترة مبكرة مدى ما أتمتع به من امتيازات لقدرتي على التعرف على المعارف العالمية في هذا الصدد وخاصة ما هو مكتوب ومنشور باللغة الإنجليزية. ومن هنا حرصت منذ بداية عملي بالترجمة أن أتخصص في ترجمة الفكر النسوي بحيث يتم إتاحة المعرفة التي صدرت خلال العقود الأخيرة باللغة الإنجليزية حول الحركة النسوية وتاريخها وأدواتها التحليلية والنقدية، وذلك بترجمتها إلى اللغة العربية بحيث يمكن للأجيال الشابة التعرف على تلك المعارف والتفاعل منها وكذلك لإدراك كيف يرانا العالم في إطار تاريخ الاستعمار والإمبريالية، وكيف ارتبط تاريخ تحرر أوطاننا بتحرر النساء. وقد حرصت خلال السنوات الأخيرة على الانتقال من الترجمة الأكاديمية إلى ترجمة الكتابة الذاتية والروائية بما يوسع من دائرة القراء والقارئات نحو الجمهور غير المتخصص، وبما يفتق آفاقا للمعرفة جنبا إلى جنب مع الخيال. هذا عن مشروعي الترجمي الشخصي.
ومن جانب آخر، كان مشروع “ترجمات نسوية” الذي قمت بطرحه وإدارته في مؤسسة المرأة والذاكرة أداة للتواصل المعرفي وخدمة المجتمع عبر إصدار سلسلة من الكتب عبر التخصصات في العلوم الإنسانية والاجتماعية من منظور نسوي بما يقدم قراءات نظرية وتطبيقية أساسية باللغة العربية عن النسوية عبر التخصصات. ثم تمت الاستعانة بتلك المادة وغيرها في عقد دورات تعليمية في دراسات الجندر، يتم من خلالها مناقشة الأفكار والتفاعل معها. ويساعدنا استخدام أدوات الفكر النقدي في التعامل مع المعرفة المترجمة من لغات وثقافات أخرى تعاملا يقوم على الفهم والندية والتفاعل لا التقليد المستند إلى معلومات سطحية أو مفاهيم مختزلة. ومن هنا جاء الجمع بين عملي الأكاديمي والنشاط المجتمعي ومن أهم أدواته الترجمة إلى العربية. وأتمنى لو تتاح لنا فرص أكبر لترجمة الفكر النسوي العربي إلى اللغة الإنجليزية بحيث نساهم نحن النساء المصريات والعربيات في مواجهة الصور النمطية التي ينشرها الغرب عنا.
- كيف ترين العلاقة بين عملك كمترجمة وعملك كباحثة وأستاذة جامعية؟
يوجد خيط ممتد يربط عملي في الترجمة والبحث والعمل الجامعي، وهو عقيدتي النسوية، حيث إن اختياري للأعمال التي أترجمها يخضع لقناعاتي النسوية، فتخصصت في ترجمة الفكر النسوي وهو ما تشير إليه أعمالي المترجمة النظرية والنقدية والأدبية. وهو امتداد لكوني باحثة نسوية متخصصة في الأدب والنقد النسوي ودراسات الجندر كما يتضح من إجمالي أبحاثي الأكاديمية. أما عملي الجامعي فهو وجه آخر لاهتماماتي البحثية واختياراتي الترجمية، فمنذ حصولي على الدكتوراه من جامعة القاهرة عن رسالة تتناول كتابات السيرة الذاتية لدى النساء المهاجرات في الولايات المتحدة الأمريكية (2003)، التي وصفتها لجنة المناقشة بأنها أول رسالة في الأدب النسائي، حاولت إدراج تخصص الأدب والنقد النسوي ضمن التخصصات الدقيقة في الكلية، وحين تعذر ذلك حينها سعيت إلى إدراج تخصص دراسات الجندر في الكلية، وهو ما تحقق منذ سنوات بدعم أيضا من أساتذة من أقسام أخرى في الكلية ومنها علم النفس وعلم الاجتماع. وبالتالي صرت رسميا (في عام 2019) أول أستاذة جامعية تحمل رسميا “دراسات الجندر” كتخصص دقيق في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وعلى مستوى الجامعة. وقد عملت على مدار السنين في إدراج دراسات النساء والجندر ضمن المقررات سواء كجزء من المقرر أو مسمى المقرر مثل “كتابة النساء” و”النساء والرواية” و”الترجمة والجندر” على مستوى مرحلة الليسانس، فضلا عن “النقد الأدبي النسوي” و”دراسات الجندر” في الدراسات العليا، إلى جانب الموضوعات التي أشرف عليها في الرسائل الجامعية.
ويوجد تقاطع آخر بين عملي الترجمي والبحثي والأكاديمي من منطلق نسوي متمثلا في مشروع “ترجمات نسوية” الذي أشرفت عليه في مؤسسة المرأة والذاكرة. وانطلقت فكرة المشروع من مشاركتي في اللقاءات والندوات وورش العمل حول مناهج البحث النسوي التي كشفت لي عن وجود رغبة كبيرة لدى بعض الأكاديميات والباحثات الشابات في الاقتراب من مناهج البحث النسوي عبر التخصصات المختلفة من خلال التعرف على الدراسات والأبحاث النسوية والجندرية المنشورة باللغة الإنجليزية وغير المتاحة باللغة العربية. ومن هنا تم إصدار مجموعة من الكتب في هذه السلسلة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومنها عددان قمت بتحريرهما وترجمتهما أحدهما عن “النقد الأدبي النسوي” والآخر مع آية سامي عن “النسوية والجنسانية”.
- في ندوة «ترجمان» الأخيرة، عرّفت نفسك كمترجمة نسوية. ماذا تعني لك الترجمة من منظور نسوي؟ وكيف تُشكِّل هذه الرؤية ممارستك للترجمة؟
الترجمة من منظور نسوي أو الترجمة النسوية هي مفهوم وممارسة ترجمية تطورت إلى نظرية تقع عند تقاطع علم أو نظرية الترجمة مع النظرية النسوية، وتعني لي ما تعلمته في بدايات قراءاتي في هذا المجال في مطلع الألفية لتعميق فهمي بممارستي الترجمية. وبالتالي ينطلق فهمي للترجمة النسوية من قراءتي المبكرة على سبيل المثال لمقالة باربرا جودارد عن الخطاب النسوي والترجمة النسوية، حيث تسلط الضوء على دور الترجمة النسوية في الحفاظ على الصوت والخطاب النسوي الكامن في النص، مع الوعي بدور الترجمة كعملية وساطة وتأويل تتطلب من المترجمة الكشف عن اختياراتها وانحيازاتها. ثم جاءت كتابات لويز فون فلوتو لتوضح تاريخ العلاقة بين النسوية والترجمة والتنظير للممارسة النسوية في الترجمة من خلال الاستعانة باستراتيجيات تسلط الضوء على الموقف النسوي أو المنظور النسوي في الترجمة، وسعي لويز فون فلوتو على مدار العقود إلى توسيع دائرة الترجمة النسوية لتمتد عبر الشمال والجنوب العالمي.
أما معنى الترجمة النسوية الذي أتبناه فهو الذي يجمع بين النظرية والتطبيق، بمعنى معرفة القواعد والاستراتيجيات التي تستخدمها النسويات في ترجمة النصوص، وتحديدا النصوص ذات الصبغة النسوية. كما تتضمن الترجمة النسوية القراءة العميقة للنص النسوي وسياقه للالتقاط الصوت النسوي وعناصر الخطاب النسوي ونقلها في عملية الترجمة. وتستوجب الترجمة النسوية إدراك ما تشتمل عليه الترجمة من سياسات ووساطة وتأويل، وبالتالي تتضح أهمية إفصاح المترجمة النسوية عن انحيازاتها واختياراتها سواء في المقدمة والهوامش أو كليهما. وبشكل أوسع أميل إلى اعتبار الترجمة النسوية عملا سياسيا يسعى إلى تمكين النساء، ومن هنا أرى أن مسار الترجمة النسوية يسير موازيا لمسار النقد النسوي، حيث جاءت البدايات النقدية مركزة على صور النساء في الكتابات السائدة (كتابات الرجال) ثم انتقلت إلى التركيز على كتابات النساء وتسليط الضوء على النصوص النسوية. ومن هنا أرى أن الترجمة النسوية، كفعل سياسي يهدف إلى تمكين النساء، الأجدر بها أن تسعى إلى ترجمة نصوص نسائية ونسوية مع توظيف المنهجية النسوية كممارسة ترجمية في كل الأحوال.
أما ممارستي للترجمة فهي في ظني تنطلق من فهمي للترجمة النسوية كنظرية ومدرسة فكرية، وفي القلب منها مفهوم الوعي النسوي كما صاغته المؤرخة النسوية جيردا ليرنر في تحديدها لعناصر الوعي النسوي التي تجمع بين الإدراك والفعل: إدراك أن النساء يعاملن معاملة ثانوية وهي وضع ظالم قائم على التمييز، وأنه وضع مفروض اجتماعيا وبالتالي قابل للتغيير، وأن التغيير لن يتم إلا بتحالفات بين النساء مع طرح رؤية بديلة لعالم تسوده العدالة والمساواة الجندرية. ومن هنا فإن الكتب التي أختار ترجمتها إلى اللغة العربية هي أعمال بالضرورة تطرح رؤى نسوية ومكتوبة بأقلام نساء، كما أنها أعمال لا تكشف فقط عن دورها في تمكين النساء في ثقافاتهن، بل تمتد بحيث تتيح مجالا لبناء معرفة نسوية مصرية وعربية، من خلال التعرف على ما تم إنتاجه في العالم الأنجلو-أمريكي والتفاعل معه تفسيرا ونقدا في سبيل بلورة معرفة نسوية محلية تساير عصرنا الذي نستعين فيه بأحدث ما وصل إليه العلم الغربي لتطوير وتحسين حياتنا في أوطاننا بأدواتنا المحلية. ويمكنني بالتالي القول بأن ممارستي للترجمة ليست قاصرة على المنهج النسوي بل تتقاطع أيضا مع التوجه ما بعد الكولونيالي الواعي بموقعنا الحالي في سياقنا التاريخي الاستعماري وواقعنا الإمبريالي من حيث هيمنة اللغة الإنجليزية على إنتاج المعرفة واحتكارها، وهو ما ينعكس بالطبع على المعرفة النسوية في السياقات العالمية.
- ترجمتك الأخيرة لرواية “هيرلاند” للكاتبة الأمريكية شارلوت بيركنز جيلمان تُعد إنجازًا كبيرًا وإثراء للأدب النسوي باللغة العربية. هل يمكنك التحدث قليلاً عن الكتاب وأهميته الأدبية والسياسية؟ كيف صادفته لأول مرة؟ ما هي المتع والصعوبات التي واجهتيها أثناء العمل على الترجمة؟ هل كان العثور على ناشر أمرًا سهلاً؟
رواية “هيرلاند” تأليف الكاتبة الأمريكية شارلوت بيركنز جيلمان هي رواية صدرت لأول مرة في عام 1915 أي في مطلع القرن العشرين، وتكشف عن جانبين مهمين في تلك الفترة على المستوى المجتمعي والأدبي. فقد اختارت المؤلفة أن تكتب هذه الرواية في إطار النوع الأدبي السائد في الولايات المتحدة في ذلك الوقت، وهو أدب اليوتوبيا أو الأدب الطوباوي، والذي يعبر عن رؤية المجتمع الأمريكي لنفسه باعتباره حامل “الحلم الأمريكي”. ولكن تأتي هذه الرواية لا لتطرح المجتمع الأمريكي باعتباره المجتمع الطوباوي، بل على النقيض من ذلك، تخلق عالما آخر مثاليا موازيا على سبيل المقارنة وطرح بديل مثالي للواقع الأمريكي. هذا عن الجانب الأدبي، أما على المستوى الاجتماعي، فتطرح شارلوت جيلمان عالما تسكنه وتحكمه النساء باعتباره هو العالم المثالي، ليس في نظر نساء هيرلاند (اللاتي لا يعرفن شيئا عن العالم خارج بلدهن سوى بعض الأساطير المتداولة في بلادهن عن عالم قديم يسكنه الرجال مع النساء)، وإنما يتبدى لنا كعالم مثالي من خلال منظور الراوي وهو عالم الاجتماع الشاب الذي يجد نفسه في بلد النساء بصحبة رفيقي رحلته الطبيب الرومانسي والمهندس البراجماتي. حيث يستكشف ثلاثتهم هيرلاند كل منطلقا من قناعاته الذكورية التي جاء بها من المجتمع الأمريكي في مطلع القرن العشرين، فمنهم من يتمسك بقيمه الذكورية السلطوية فينتهي به الأمر بالترحيل من هيرلاند، ومنهم من يتبرأ منها ويستقر في هيرلاند، ومنهم من يشركنا في رحلة مقارناته وتأملاته، وينتهي به المطاف بالعودة مع رفيقته/زوجته الهيرلاندية لزيارة بلاده ونقل تجربته في هيرلاند في سبيل إصلاح المجتمع الأمريكي.
ويتضح البعد السياسي للرواية في الأسئلة التي يطرحها عن التمييز الجندري والعدالة الاجتماعية والممارسات والعادات والتقاليد والمعتقدات، وكذلك في كسر الصور النمطية للذكورة والأنوثة كهوية وأدوار اجتماعية. وقد كان للكتاب أهميته حين صدوره في طرح الأسئلة في مرحلة نشأة الوعي النسوي في المجتمع الأمريكي خلال الموجة الأولى من الحركة النسوية في مطلع القرن الماضي. ولكن ما لبثت الرواية وأن اختفت لتطفو على السطح أعمال أخرى للكاتبة لعل من أشهرها روايتها القصيرة “ورق الحائط الأصفر” الذي ظل هو العمل الذي تذكر به المؤلفة إلى أن تمت إعادة اكتشاف رواية “هيرلاند” في الولايات المتحدة الأمريكية في سبعينيات القرن الماضي، في خضم صعود الموجة الثانية من الحركة النسوية ببعدها النقدي والتعليمي.
وقد قرأت رواية هيرلاند أول مرة ضمن مقرر “أساليب المعرفة النسوية” (Modes of Feminist Inquiry) الذي كانت تقوم بتدريسه د. سوزان فان داين (Susan van Dyne)، حين التحقت ببرنامج دبلوم الدراسات الأمريكية تخصص الدراسات النسائية في كلية سميث بالولايات المتحدة الأمريكية. وأعجبتني الرواية منذ القراءة الأولى رغم ما تحمله من عناصر تقترب من أدب الخيال العلمي الذي لا أميل إليه البتة. ولا يقتصر إعجابي بالرواية لما تقدمه من تصور لعالم مثالي تسكنه وتحكمه النساء، ولا لما تحمله من رسالة نسوية واضحة وموقف نسوي أخلاقي من الحياة، وإنما يعجبني ما تطرحه من أسئلة حول الصور النمطية وما نعتبره من مسلمات وبديهيات، مع الارتقاء بقيم المحبة والتضامن والتشارك والعدالة. ومن هنا رأيت في هذه الرواية نصا أدبيا يصلح لطرح تلك الأسئلة وغيرها في محاضراتي الجامعية، وصرت أقررها كلما أمكنني ذلك. كما وجدت نفسي أقوم بترجمة أجزاء منها إلى اللغة العربية للإشارة إليها في سياقات أخرى.
ولم أتفرغ لترجمتها كاملة سوى خلال الإجازة الصيفية الماضية عقب حديث مع د. مصطفى رياض، أستاذ الأدب الإنجليزي والترجمة في جامعة عين شمس الذي صار مسؤولا عن سلسلة الألف كتاب الثاني في الهيئة المصرية العامة للكتاب، الذي شجعني على التقديم بمقترح لترجمة الرواية، ثم تسليمها لهيئة الكتاب لتلحق بمعرض القاهرة للكتاب. وكانت الترجمة بشكل عام ممتعة، حيث إنها أول رواية أترجمها بعد سنوات من ترجمة الأعمال الفكرية والنقدية، وبالتالي استمتعت تحديدا بالتوقف عند العناصر الأدبية في الترجمة على مستوى اللغة وتركيب الجملة بنقل دلالاتها التعبيرية وصورها الجمالية والمجاز والتشبيهات الممتدة. كذلك وقفت عند بعض الإشارات إلى شخصيات وأحداث تاريخية وأسطورية وتتبعها في المصادر الثانوية لإضافة هوامش شارحة لما قد يستعصي على القارئة أو القارئ العربي المعاصر، مع الحرص على التبسيط بسبب طبيعة الجمهور المستهدف.
- أعتقد أن رواية جيلمان تُشكل تحديًا للترجمة إلى العربية لعدة أسباب. أولاً، تغير اللغة الإنجليزية الأدبية على مدار القرن منذ كتابة الرواية. ثانيًا، اليوتوبيا النسوية التي يصورها الكتاب تقدم أفكارًا قد لا تزال مثيرة للجدل بالنسبة للقارئ المعاصر. هل يمكنك التحدث عن نقطة أو نقطتين في الرواية واجهتكِ فيها صعوبة في ترجمة كلمة أو فكرة معينة؟ تعبير “يستحيل ترجمته” مثلا أو سياق تصعب ترجمته؟ وهل كان لديك جمهور مستهدف من الترجمة؟
رواية شارلوت جيلمان بالفعل مكتوبة بلغة مطلع القرن العشرين فضلا عن أن أسلوب المؤلفة في هذا الكتاب يتنوع بين الأسلوب الأدبي والأسلوب التحليلي والتقريري، خاصة وأن الراوي هو باحث في علم الاجتماع وصوته في الرواية هو الصوت سائد، وبالتالي توجد مقاطع أقرب إلى أسلوب المقال عن الخيال. كذلك تتعدد الأصوات في الرواية مع اعتماد المؤلفة على الكثير من الحوارات بين الشخصيات لضمان تعدد وجهات النظر في السرد وعدم هيمنة الراوي على النص، مما جعلني أتوقف أمام كيفية تنويع الصوت باللغة العربية. وقد فكرت لوهلة في ترجمة الحوارات إلى اللهجة العامية وهي الطريقة الأسهل لتنويع الأصوات ما بين السرد والحوار في اللغة العربية. ولكني قررت في نهاية الأمر الالتزام باللغة العربية الفصحى في الرواية بأكملها بحيث تخلق مساحة زمنية على مستوى اللغة تساير الخطاب الأدبي العربي في مطلع القرن العشرين، مع تبسيط الفصحى في الحوارات الدائرة ما بين الشخصيات دون اللجوء إلى العامية.
ومن أبرز التحديات الأخرى التي واجهتها (وشرحتها في مقدمة الترجمة) هي الاستقرار على عنوان مناسب للرواية باللغة العربية. حيث إن كلمة “هيرلاند” في حد ذاتها موحية بمعناها باللغة الإنجليزية، فالترجمة الحرفية هي “بلدها” أو “أرضها” وعلى وزن دول قائمة بالفعل مثل “هولند” (هولندا) و”بولند” (بولندا). وبالتالي فكرت في أن أترجمها إلى “هيرلاندا” أو “هيرلانديا”. ولكني في آخر المطاف رأيت أن أحتفظ باسم البلد كما هو باللغة الإنجليزية “هيرلاند” مع إضافة عنوان فرعي شارح باللغة العربية، بحيث يكون عنوان الكتاب “هيرلاند: بلد النساء”.
وحين أشير إلى هذه التحديات، فإنني بلا شك كنت أضع في اعتباري جمهور القراء، حيث إن الرواية كانت ستصدر ضمن سلسلة الألف كتاب الثاني، وهي امتداد لسلسلة الألف كتاب التي صدرت في الخمسينيات من القرن الماضي ضمن مشروع ثروت عكاشة لنشر الثقافة المحلية والعالمية بين جموع الشعب المصري. وأنا شخصيا نشأت على الكثير من الكتب المترجمة ضمن هذه السلسلة والتي لم يكن يخلو بيت من بيوت الطبقة الوسطى والشعبية المتعلمة منها. وملأتني الدعوة للمشاركة في مشروع الألف كتاب الثاني بمزيج من السعادة والفخر والوعي بأهمية هذه السلسلة ومدى انتشارها واتساع مساحات توزيعها على مستوى الوطن، مع كونها ما زالت متاحة بأسعار أقل كثيرا مقارنة بإصدارات دور النشر الخاصة. ومع ذلك حرصت على كتابة مقدمة مبسطة للترجمة وتضمين هوامش شارحة دون إفراط في نهاية الكتاب، بما لا يصبغ الرواية بصبغة أكاديمية وإنما يلقي إضاءات على ما قد يخفى عن جمهور القراء العرب في عصرنا.
فمثلا بعض هذه الهوامش تتطرق إلى شرح أسطورة الأمازونيات (Amazons) في الأساطير الإغريقية حين يرد ذكرها في الرواية، وكذلك المطالبات بالحقوق السياسية (suffragettes) في بريطانيا، وتعريف مصطلح التوالد العذري (parthenogenesis) ونشأته في القرن التاسع عشر في مجال العلوم الطبيعية، فضلا عن التركيز على الغيرة الذكورية لدى عطيل تجاه زوجته ديدمونة في الإشارة إلى مسرحية شكسبير مع إدانة عطيل لا تبرير جريمته. وهي وغيرها (وتبلغ حوالي 60 هامشا) إضافات أخاطب بها القارئات والقراء من الطبقة المتعلمة والوسطى ممن قد لا يكتفون بقراءة الرواية كحكاية خيالية مسلية بل قد يرغبون في الاستزادة بقراءة الهوامش الملحقة في مؤخرة الكتاب.
معظم الأبحاث الأكاديمية في مجال دراسات الترجمة تُكتب وتُنشر باللغات الأوروبية. هل يمكنك التأمل في أسباب هذه الظاهرة؟ هل ترين وجود اهتمام كاف بهذا الحقل المعرفي في منطقتنا؟ من هم أهم منظري الترجمة في العالم العربي برأيك؟
أعتقد أن الكتابة والنشر باللغات الأوروبية وخاصة الإنجليزية هي ظاهرة عامة لا تقتصر على مجال دراسات الترجمة، وإنما تعكس الأوضاع الحالية في منطقتنا العربية والتي تميل إلى الاعتماد على العلوم والمعارف والتكنولوجيا التي يتم إنتاجها في مناطق أخرى من العالم مع استهلاكها مباشرة أو تكييفها لسياقاتنا المحلية، وبالتالي لا تنتج منطقتنا سوى القليل بشكل عام والأقل باللغة العربية. ويمكن إرجاع ذلك إلى قلة الإنفاق العام على البحث العلمي عموما والظروف الاقتصادية والسياسية وتبعاتها الاجتماعية التي لا ترى في البحث العلمي وخاصة في العلوم الإنسانية والاجتماعية جدوى في إطار هيمنة التوجهات النيوليبرالية وسياساتها الاقتصادية المستندة إلى القيمة السوقية لا الفكرية. ومن جانب آخر فمن الثابت حاليا أن اللغة الإنجليزية صارت هي اللغة السائدة (lingua franca) في مجال البحث العلمي بما في ذلك دراسات الترجمة، وبالتالي فحتى الأبحاث والدراسات التي يتم إنتاجها داخل الجامعات المصرية والعربية يحرص أصحابها على نشرها باللغة الإنجليزية حتى تلقى مجالا للنشر والتوزيع وترفع من مقياس الاستشهادات (h-index)، بل إن جامعاتنا تشجعنا هي الأخرى على النشر باللغة الإنجليزية بما يضمن الاعتراف بها في الساحة الأكاديمية العالمية ورفع تصنيف الجامعة ضمن التصنيفات المعترف بها عالميا. ومن ناحية أخرى، وعلى مستوى التدرج الوظيفي الجامعي، فالنشر الدولي هو عادة مقياس الترقي، فبالنسبة لي على سبيل المثال، إن كوني أنتمي إلى قسم اللغة الإنجليزية وآدابها يضطرني إلى التقدم للترقي من درجة مدرس إلى أستاذ مساعد ثم إلى درجة الأستاذ استنادا إلى النشر باللغة الإنجليزية ولا يعتد إلا ببحث واحد فقط مكتوب باللغة العربية، أما ما هو دون ذلك من دراسات أو إصدارات (أو ترجمات) باللغة العربية فيكون تقييمها باعتبارها “نشاط ثقافي” وليست “بحث علمي”!
ولا تتمتع دراسات الترجمة باهتمام علمي جاد في المؤسسات الجامعية، حيث غالبا ما يتم إدراجها ضمن شعب الدراسات اللغوية، كما يقتصر الاهتمام بها عامة باستخدام المنهجيات اللغوية لا الثقافية. أما على مستوى المؤسسات المعنية بالترجمة خارج الجامعات، فيقتصر الاهتمام على فعل الترجمة وليس علم الترجمة، حتى على مستوى مؤسسات رائدة وراسخة مثل المركز القومي للترجمة. وقد انعكس ذلك كله على تطور دراسات الترجمة في منطقتنا العربية حيث يعتبر د. محمد عناني “شيخ المترجمين العرب” استنادا إلى أعماله المترجمة العديدة وليس بناء على كتبه المعدودة في علم الترجمة والتي تأتي في مجملها مستندة إلى النظرية الغربية وتطبيقاتها على الترجمة من الإنجليزية إلى العربية وبالعكس. ولا علم لي بموقع دراسات الترجمة في الثقافة المغاربية في منطقة شمال أفريقيا حيث تسود الترجمة بين العربية والفرنسية.
- أنت الآن تقومين بتحرير عدد خاص من المجلة الجديدة Feminist Translation Studies هل يمكن اعطائنا نبذة عامة عن المجلة وعن هذا العدد الخاص بالتحديد؟
صدر العدد الأول من مجلة دراسات الترجمة النسوية Feminist Translation Studies في عام 2024، حيث قامت بتأسيسها ورئاسة تحريرها الباحثتان الأكاديميتان المتخصصتان في الترجمة النسوية أولجا كاسترو (جامعة واريك في بريطانيا، وجامعة أوتونوما في برشلونة بأسبانيا) وماريا لورا سبوتورنو (جامعة دي لا بلاتا في الأرجنتين)، وتضم المجلة هيئة تحرير من بلاد مختلفة ومجلس تحرير عالمي. وهي مجلة مختصة بالأبحاث الأكاديمية في الترجمة النسوية مع تبني نهج بيني عبر دولي (transnational). وقد صدر من المجلة عددان في عامها الأول 2024، وعدد خاص في عام 2025 يتناول النسوية والترجمة البيئية، بينما تمت دعوة لويز فون فلوتو لتحرير عدد خاص يصدر في 2026 عن “النسويات المحلية في الترجمة عبر الدولية” (Local Feminisms in Transnational Translation)، فدعتني بدورها وكذلك سون كيونج يون (جامعة هانكوك في كوريا الجنوبية) إلى المشاركة في تحرير هذا العدد الخاص. وقد قمنا بتوزيع الدعوة إلى الكتابة على نطاق واسع في الجنوب والشمال العالمي، ووصلنا عدد من المقالات قد تستدعي إصدارها في عددين بدلا العدد الخاص الواحد من المجلة.
- ما هي برأيك أهم مشكلة تواجه المترجمين الشباب في مصر اليوم؟ هل لديك نصائح لهم؟
أعتقد أن أهم تحدٍّ تواجهه المترجمات والمترجمون الشباب في مصر وربما في العالم حاليا هو اكتساح الذكاء الاصطناعي لكافة مناحي الحياة، وهو تطور لعله يساهم في تطوير مجالات علمية كثيرة ولكنه في رأيي يساهم في تقليص الفكر والإبداع. وفي مجال الترجمة يتزايد الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي بما يهدد في رأيي بتحويل المترجمة والمترجم إلى مجرد محرّر للنص المترجم إلكترونيا. وبعيدا عن الاستسهال الذي قد يلجأ إليه بعض المترجمين، فأخشى أن تلجأ دور النشر هي الأخرى إلى تشجيع استخدام الذكاء الاصطناعي في الترجمة بما يقلص من الوقت والجهد وبالتالي المقابل المادي لفعل الترجمة. وهو ما سيؤدي بلا شك إلى تراجع مستوى اللغة بسبب إعادة إنتاج مفردات وتركيبات لغوية وترجمة آلية يكون للعقل والخيال البشري فيها دور مساعد في إنتاج النص بدلا من أن تكون الآلة هي العامل المساعد في الترجمة.
وفي هذا الصدد أرى أن علينا نحن المترجمات والمترجمين دور في تطوير ذواتنا وأدواتنا بحيث نظل فاعلين لا مساعدين في الترجمة، ومن هنا أرى أهمية تدعيم الممارسة الترجمية بالمعرفة النظرية والأخلاقية في مجال دراسات الترجمة لأنها ستصبح هي المؤهل الحقيقي الذي يميز المترجم عن محرر النص المترجم، وأعتقد أنه مع الوقت ستتضح أهمية الإفصاح عن سياسات واستراتيجيات وأدوار دور المترجمة والمترجمة في عملية الترجمة بما يضفي على العمل المترجم القيمة والمصداقية.
- ما هي بعض مشاريعك المستقبلية؟
أقوم منذ فترة وبشكل متقطع بترجمة رواية سحر الموجي “مسك التل” إلى اللغة الإنجليزية، وهي رواية أرى أنها ذات أهمية كبيرة على عدة مستويات، فالمؤلفة سحر الموجي هي من أبرز كاتبات جيل التسعينيات في مصر، وتأتي روايتها “مسك التل” لتجمع بين براعة الكتابة وروعة الخيال، مع ما تقدمه من عالم تجتمع فيه امرأة مصرية معاصرة مع شخصية أمينة عند نجيب محفوظ وشخصية كاثرين عند إميلي برونتي. وقد تم نشر فصل من الرواية مع مقدمة قصيرة في موقع “مدى مصر” منذ فترة للتعريف بالكتاب والمؤلفة. وأتمنى استكمال ترجمة هذه الرواية ونشرها لتصبح متاحة للتدريس ضمن مقررات الأدب العربي والدراسات النسائية باللغة الإنجليزية، فضلا عن كونها رواية نسوية خيالية مسلية تطرح تساؤلات عن حيوات النساء عبر العصور. كما بدأت في ترجمة الجزء الثاني من رواية شارلوت جيلمان التي تبدأ من حيث انتهت “هيرلاند” وآمل أن أنتهي منها خلال الصيف بحيث تلحق بمعرض القاهرة للكتاب في العام القادم.

