بؤس الترجمة وبهاؤها
خوسيه أورتيجا إي جاسِيت
ترجمة: أحمد حسان
نشرت الترجمة في كتاب «الترجمة نقاط عبور» عن دار هن 2025.
خلال اجتماع شارك فيه أساتذة من الكوليج دو فرانس، وجامعيون وأشخاص ذوو صلة، تحدّث أحدهم عن استحالة ترجمة مفكرين ألمان معينين واقترح، مُعمِّما الموضوع، عمل دراسة عن الفلاسفة الذين يمكن ترجمتهم وأولئك الذين لا يمكن ذلك.
يبدو أن هذا يفترض، بيقينٍ مفرط، أن ثمة فلاسفة، وبصورةٍ أعمّ، كتاباً يمكن ترجمتهم، فعليا. أليس هذا وهميا؟ -سمحت لنفسي بالتلميح. أليس فعل الترجمة جهدا طوباويا، لا حيلة فيه؟ في الحقيقة أنني كل يوم أقتنع أكثر بالاعتقاد بأن ما يفعله الإنسان طوباوي. إذ ينهمك في المعرفة دون أن يحقّق معرفة أي شيء تماما. وحين يُقيم عدالةً ينتهي على الدوام بأن يصنع نذالةً ما. يعتقد أنه يحبُّ ثم ينتبه أنه اكتفى بأن يعِد بذلك. أرجو ألّا تُفهم هذه الكلمات بمعنى سخرية أخلاقية، كأنني ألوم زملاء المهنة لأنهم لا يفعلون ما يتظاهرون بفعله. فقصدي، على وجه الدقة، هو العكس: بدل أن أدينهم على إخفاقهم أود التلميح إلى أنه لا يمكن عمل أيٍ من تلك الأشياء، أنها في ذاتها مستحيلة، أنها تظل مجرد ادّعاءٍ، مشروعٍ عبثي وإيماءةٍ بلا قيمة. منحت الطبيعةُ كل حيوان برنامجا من الأفعال التي يمكن القيام بها بصورة مرضية، لا أكثر. لهذا السبب يندر جدا أن يكون الحيوان حزينا. وفي الحيوانات العليا فقط -في الكلب، في الحصان- يمكن ذات مرة تبيُّن ما يشبه الحزن، وعندها بالضبط تبدو لنا أقرب إلينا، أشد إنسانية. وربما كان المشهد الأشد إزعاجا، لكونه ملتبساً، الذي تقدمه الطبيعة -في القلب الغامض للغابة- هو سوداوية إنسان الغاب [الأورانجوتان]. فالحيوانات سعيدة في المعتاد. لكن وجهتنا معاكسة. فالبشر يمضون دوما سوداويين، ومهووسين، ومحمومين، تؤذيهم كل تلك العلل التي سمّاها أبوقراط سماوية. والسبب أن المشاغل البشرية غير قابلة للتحقيق. قدَر الإنسان -ميزته وشرفه- ألّا يحقِّق أبدا ما يطرحه على نفسه ليصبح ادّعاءً خالصا، يوتوبيا حية. ينطلق دوما صوب الإخفاق، وقبل أن يخوض النزال تكون جبهته جريحةً بالفعل. هذا ما يحدث في هذه المهنة المتواضعة التي هي الترجمة. في النظام الذهني ليس ثمة مهمة أكثر تواضعا. ورغم ذلك، يتّضح أنها باهظة.
الكتابة الجيدة تتمثّل في إجراء تآكلات ضئيلة باستمرار في النحو، في الاستخدام المستقر، في المعيار السائد للغة. إنها فعل تمردٍ دائم ضد الوسط الاجتماعي، تخريب. تتضمن الكتابةُ الجيدة جسارةً جذريةً معينة. حسنا؛ المترجم في العادة هو شخص خجول. بدافع الحياء اختار هذه المهنة، التي هي الأدنى. يجد نفسه في مواجهة جهازٍ بوليسي هائل هو النحو والاستخدام الفظ. فماذا سيفعل مع النص المتمرد؟ أليس إفراطاً في الطلب أن نطالبه بأن يكون متمرداً هو أيضا لحساب غيره؟ هل سيغلب فيه الخنوع وبدل أن ينتهك المراسيم النحوية سيصنع العكس: سيضع الكاتب المترجَم في سجن اللغة المألوفة، أي، سيخونه. Traduttore, traditore. [المترجم، خائن]
– ورغم ذلك، فإن كتب العلوم الدقيقة والطبيعية يمكن ترجمتها، يجيب محاوري.
– لا أُنكر أن الصعوبة أقل، بل كونها غير موجودة. ففرع الرياضيات الذي ظل مزدهراً خلال ربع القرن الأخير هو نظرية المجموعات Teoría de los conjuntos. حسنا: مبتكرها، كانتور، عمّدها بمصطلح ليس ثمة طريقة لترجمته إلى لغاتنا. فما اضطررنا لتسميته “مجموع” سماه هو Menge، وهي لفظة لا تغطي دلالتها دلالة مجموع. دعونا، إذن، لا نبالغ في قابلية العلوم الرياضية والفيزيائية للترجمة. لكن، مع إبداء هذا التحفظ، فإنني مستعدّ للإقرار بأن الترجمة يمكن فيهما أن تبلغ أقرب مما تبلغ في التخصصات الأخرى.
– تقرّ حضرتك، إذن، بأن ثمة نوعان من الكتابات: ما يمكن ترجمته وما لا يمكن؟
– إذا تحدثنا إجمالا Grosso modo، فيجب أن نقبل هذه التفرقة، لكننا إذا فعلنا سنُغلق المدخلَ إلى المشكلة الحقيقية التي تطرحها كلُّ ترجمة. لأننا لو تساءلنا ما هو السبب في أن كتبا علمية معينة أسهل في الترجمة سننتبه على الفور إلى أن المؤلف ذاته بدأ فيها بأن ترجم نفسه من اللغة الأصيلة التي فيها “يحيا، ويتحرك، ويكون”، إلى لغةٍ-زائفة تتشكّل من مصطلحات تقنية، من عبارات مصطنعة لغوياً يحتاج هو ذاته إلى تعريفها في كتابه. الخلاصة، أنه يترجم نفسه من لغةٍ إلى مصطلحات.
– لكن، أي مصطلحات هي لغة مثل أية لغة أخرى! وفضلا عن ذلك، حسب كونديّاك: فإن اللغة الأفضل، اللغة “الجيدة الصنع”، هي العلم.
– اعذرني أن أختلف في ذلك جذريا عن حضرتك وعن الكاهن الطيب. اللغة هي نسق من العلامات اللفظية بفضلها يمكن للأفراد أن يتفاهموا دون اتفاق مسبق، ناهيك عن أن المصطلحات لا تكون مفهومة إلّا إذا كان من يكتب أو يتحدث ومن يقرأ أو يستمع قد اتفقا سلفا بصورة فردية على معنى العلامات. لهذا السبب أدعوها لغة-زائفة وأقول أن رجل العلم عليه أن يبدأ بترجمة تفكيره إليها. إنها فولابوك* volapuk، إسبرانتو يتأسس باتفاق عمدي بين من يغرسون ذلك التخصص. ومن هنا يكون من الأسهل ترجمة هذه الكتب من لغة إلى أخرى. وفي الحقيقة، فإن كتب كل البلاد مكتوبة بالفعل برمتها تقريبا في نفس اللغة. الحال كذلك إلى حدّ أن هذه الكتب تبدو ملغزة، غير مفهومة أو على الأقل بالغة الصعوبة في الفهم بالنسبة للناس الذين يتحدثون اللغة الأصيلة التي تكون مكتوبةً بها ظاهريا.
– في اللعب النظيف لا مناص من أعطيك الحق وكذلك أن أخبرك بأنني بدأتُ ألمح ألغازاً معينة في العلاقة اللغوية بين إنسانٍ وإنسان لم أنتبه إليها حتى الساعة.
– وأنا، بدوري، ألمح أن حضرتك نوعٌ من ابن سرّاجٍ أخير، آخر الأحياء من كائنات منقرضة، لأن حضرتك قادر، في مواجهة إنسان آخر، على الاعتقاد بأن الآخر على حق وليس حضرتك. وبالفعل: فإن مسألة الترجمة، لو تابعناها قليلا، توصّلنا إلى أشد الأسرار خفاءً للظاهرة الرائعة التي هي الكلام. لكننا لو التفتنا إلى الأمر الأشد مباشرةً الذي يقدمه موضوعنا، سيكون لدينا ما يكفي. فيما قلته حتى الآن اقتصرتُ على تأسيس طوباوية الترجمة التي يكون فيها مؤلف كتابٍ ليس رياضيا ولا فيزيائيا، ولا، إذا شئت، بيولوجيا، كاتبا بمعنى جيدٍ للكلمة. ويتضمن هذا أنه استخدم لغته الأم ببراعة مدهشة، محقّقاً أمرين يبدو التوفيق بينهما مستحيلا: أن يكون مفهوما، لا أكثر، وفي نفس الوقت أن يعدّل الاستخدام المعتاد للغة. هذه العملية المزدوجة أصعب في تنفيذها من المشي على حبل رخوٍ. كيف يمكن أن نطالب بها المترجمين الراهنين؟ علاوة على ذلك، في إثر هذه الصعوبة الأولى التي تقدمها نسخة الأسلوب الشخصي تظهر لنا طبقات جديدة من الصعوبات. تتمثل الأسلوبية الشخصية، مثلا، في أن المؤلف يحرفُ المعنى المعتاد للكلمة انحرافا خفيفا، يُجبرها على ألّا تتطابق دائرة الأشياء التي تُشير إليها بالضبط مع دائرة الأشياء التي تشير إليها عادةً في استخدامها المألوف. والميل العام لهذه الانحرافات لدى كاتبٍ هي ما نسميه أسلوبه. لكن كل لغةٍ بالمقارنة مع أخرى لها هي أيضا أسلوبها النحوي، ما سماه هومبولت “شكلها الداخلي”. لذا، فمن الطوباوي الاعتقاد بأن كلمتين تنتميان إلى لغتين ويعطيهما لنا القاموس على أن إحداهما ترجمة للأخرى، تشيران بالضبط إلى نفس الأشياء. فلما كانت اللغات قد تشكّلت في مشاهد مختلفة وبالنظر إلى خبراتٍ متمايزة، يكون تنافرها طبيعيا. فمن الزائف، مثلا، افتراض أن ما تسميه الإسبانية غابة هو نفس ما تسميه الألمانية فالد Wald، ورغم ذلك، يخبرنا القاموس بأن Wald تعني غابة. لو توفر حسّ الدعابة لكانت هذه مناسبة ممتازة لإدراج “آريا الجسارة” لوصف غابة ألمانيا مقابل الغابة الإسبانية. أداعب حضراتكم بالأغنية، لكنني أطالب بالنتيجة: الحدس الواضح بالاختلاف الهائل القائم بين كلا الواقعين. إنه من الضخامة بحيث لا يكونان متنافرين تماما فحسب، بل ان كل أصدائهما الثقافية والوجدانية تقريبا متنافرة.
صورتا كلٍّ من الدلالتين غير متطابقتين مثل الصورتين الفوتوغرافيتين لشخصين موضوعتين الواحدة فوق الأخرى. ومثلما في هذه الحالة يرتبك بصرنا ويصيبه الدوار ولا يستطيع الاستقرار على صورة أو أخرى ولا أن يشكّل صورة ثالثة، دعونا نتخيل الغموض المؤلم الذي تخلّفه فينا قراءة آلاف الكلمات الذي يحدث لها هذا. إنها، إذن، نفس الأسباب التي تُنتج في الصورة البصرية وفي اللغة ظاهرة الـflou [الضبابية]. والترجمة هي الـflou [الضبابية] الأدبية الدائمة، ومثلما، من جهة أخرى، لا يكون ما نسميه حماقة سوى flou [ضبابية] الفكر، فلن نستغرب أن يبدو لنا مؤلِّفٌ متَرجَمٌ دوما أحمقاً بعض الشيء. […]
– الوقت يتأخر -قلت للنحوي الكبير- ويجب أن ينفضّ هذا الاجتماع. لكنني لا أودّ التخلّي عن معرفة ما تعتقده بشأن مهمة الترجمة.
– أعتقد مثل حضرتك -أجاب- أعتقد أنها بالغة الصعوبة، أنها غير ممكنة، لكنها، لنفس السبب، ذات معنى ضخم. وأكثر من ذلك: أعتقد أننا بلغنا الآن لأول مرة إمكانية محاولتها في العمق وعلى مستوى كبير. من المناسب، على كل حال، إعلان أن ما هو جوهري في المسألة قد قيل منذ أكثر من قرن من جانب اللاهوتي العذب شلايرماخر، في مقاله حول المناهج المختلفة للترجمة. فوفقا له، تكون الترجمة حركةً يمكن محاولتها في اتجاهين متعارضين: إما بجلب المؤلف إلى لغة القارئ أو بحمل القارئ إلى لغة المؤلف. في الحالة الأولى، نترجم بمعنى غير مناسب للكلمة: إذ نقوم، في الجوهر، بمحاكاة أو إعادة صياغة للنص الأصلي. وفقط حين ننتزع القارئ من عاداته اللغوية ونجبره على التحرك داخل عادات المؤلف، تكون ثمة ترجمة بالمعنى الصحيح. وحتى الآن لم تُصنع سوى ترجمات-زائفة.
انطلاقا من هذا، سأتجاسر بصياغة مبادئ معينة تعرّف المهمة الجديدة للترجمة التي يجب أن نكرّس أنفسنا لها، أكثر من أي وقت مضى، لأسباب سأذكرها فيما بعد، إذا سمح الوقت.
ويجب أن نبدأ بأن نصحح من الأساس فكرة ما يمكن ويجب أن تكونه أية ترجمة. هل تُفهم الترجمة على أنها بمثابة تلاعب سحري بفضله يبزغ العملُ المكتوب بلغةٍ فجأة في لغة أخرى؟ إذن فقد ضعنا. لأن ذلك التجسد-العابر** transustanciación مستحيل. الترجمة ليست قرينا doble للنص الأصلي؛ ليست، ولا ينبغي أن ترغب في أن تكون، نفس العمل بعبارات مختلفة. يمكنني القول: أن الترجمة لا تنتمي حتى إلى نفس الجنس الأدبي لما هو مترجَم. من المناسب أن نؤكد هذا ونشدّد على أن الترجمة هي جنس أدبي قائم بذاته، مختلف عن سواه من الأجناس الأدبية، وله معاييره وغاياته الخاصة. لسبب بسيط هو أن الترجمة ليست العمل، بل طريقٌ صوب العمل. ولو كان هذا العمل عملا شعريا، فليست الترجمة كذلك، بل هي بالأحرى جهاز، اصطناع تقني يقرّبنا إلى ذلك العمل دون أن يدّعي مطلقا أنه يكرّره أو يحل محله.
لِنُشِر، لتجنب اللبس، إلى نوع الترجمة الذي يهمنا أكثر، الذي، في اعتقادي، يستحثنا أكثر: ترجمة الإغريق واللاتين. فقد هؤلاء بالنسبة لنا طابع كونهم نماذج. وربما كان أحد أغرب الأعراض وأخطرها لعصرنا أننا نحيا دون نماذج، أن ملَكة إدراك شيء باعتباره نموذجا قد ضمرت لدينا. وفي حالة الإغريق واللاتين، ربما كان عدم توقيرنا الراهن خصبا، لأنهم بموتهم باعتبارهم معايير وأهداف، يولدون من جديد إزاءنا باعتبارهم الحالة الفريدة للإنسانية المختلفة جذريا عن إنسانيتنا، والتي يمكننا النفاذ إليها – بفضل الأشياء الكثيرة التي بقيت منهم. بلاد الإغريق وروما هما الرحلة المطلقة الوحيدة في الزمن التي يمكننا القيام بها. وهذا النوع من الجولات هو أهم ما يمكن محاولته من أجل تربية الإنسان الغربي. فقد بيّن قرنان من البيداجوچيا الرياضية، والفيزيائية، والبيولوجية بتأثيراتهما أن هذه التخصصات لا تكفي لنزع همجية الإنسان. إذ يجب أن تتكامل تربية فيزيائية-رياضية مع تربية تاريخية أصيلة، لا تتمثّل في معرفة قوائم الملوك وأوصاف المعارك أو إحصائيات الأسعار والأجور اليومية في هذا القرن أو ذاك، بل تتطلب.. رحلةً إلى الخارج، إلى الخارج المطلق، الذي هو زمن آخر ناءٍ جدا وحضارة أخرى بالغة الاختلاف.
في مواجهة العلوم الطبيعية يجب أن تولد اليوم “العلوم الإنسانية” من جديد، ولو كان ذلك بطابعٍ جديد عما كان لها دوما. نحن بحاجة إلى الاقتراب مما هو إغريقي وما هو روماني، لا باعتبارهما نموذجين، بل على النقيض، باعتبارهما خطأين نموذجيين. لأن الإنسان كيانٌ تاريخي وكل واقع تاريخي – وبكونه كذلك، غير حاسم – هو، بالأحرى، خطأ. واكتساب وعي تاريخي بذاته وتعلُّم النظر إلى نفسه على أنه خطأ، هما نفس الشيء. ولما كانت هذه -كونه دوما، بالأحرى ونسبيا، خطأً- هي حقيقة الإنسان، فإن الوعي التاريخي وحده يمكنه أن يكسبه حقيقته وينقذه. لكن مما لا جدوى منه الزعم بأن الإنسان الراهن، بمجرد النظر إلى نفسه، يكتشف أنه خطأ. ولا مناص من تربية منظوره من أجل الحقيقة الإنسانية، من أجل “النزعة الإنسانية” الأصيلة، وجعله يرى جيدا وعن قرب الخطأ الذي كانه الآخرون، وفي المقام الأول، الخطأ الذي كانه من هم الأفضل. من هنا يتملكني، من سنوات كثيرة، هاجس فكرة أن من الضروري إعادة إتاحة كل القِدم الإغريقي-الروماني للقراءة -ولهذا الغرض لا مناص من مهمةٍ هائلة لترجمة جديدة. لأن الأمر لا يتعلق الآن بنقل الأعمال التي كانت بمثابة نماذج في مجالها إلى لغاتنا الراهنة، بل بنقلها جميعا، دون تمييز. فهي تهمنا، تفيدنا -أكرر باعتبارها أخطاء، وليس باعتبارها أساتذة. ليس لدينا مجرّد ما نتعلمه منهم بسبب ما قالوه، أو فكروا فيه، أو أنشدوه، بل ببساطة لأنهم كانوا، لأنهم وجدوا، لأنهم، كأناس بائسين مثلنا، صارعوا بيأس مثلنا الحُطام الدائم للعيش.
من هنا أهمية توجيه الترجمات الكلاسيكية بهذا الاتجاه. لأنني إذا كنت قلتُ قبلا أن من المستحيل تكرار عمل وأن الترجمة هي مجرد جهاز يحملنا إليه، ينتج أنه يمكن أن توجد لنفس النص ترجمات متنوعة. من المستحيل، على الأقل يكاد يكون مستحيلا على الدوام، مقاربة كل أبعاد النص الأصلي في آن واحد. فلو أردنا إعطاء فكرة عن خصائصه الجمالية، سيكون علينا التخلي عن كل مادة النص تقريبا لنقل أوجه رشاقته الشكلية. لهذا السبب سيكون من الضروري تقسيم العمل وعمل ترجمات متفاوته لنفس العمل وفق جوانبه التي نريد ترجمتها على وجه الدقة. وفضلا عن ذلك، بوجه عام، تبرز أهمية تلك الأعمال، بقدر كونها سماتٍ مميِّزة للحياة العتيقة، بحيث يمكن الاستغناء عن خصائصها الأخرى دون خسارة كبيرة.
حين تقارَنُ ترجمة لأفلاطون بالنص، حتى أحدث الترجمات، يدهشنا ويزعجنا، لا أن تكون شبقيات الأسلوب الأفلاطوني قد تبخرت عند نقلها، بل أن تضيع ثلاثة أرباع الأشياء، الأشياء ذاتها التي فعلت فعلها في عبارات الفيلسوف والتي يكون هو، في تفكيره الحي، قد تعثر فيها، وألمح إليها أو هدهدها عابرا. لهذا السبب، وليس كما يُعتَقد عادةً بسبب بتر جمالها، تكون قليلة الأهمية بالنسبة للقارئ الراهن. كيف ستهمه إن كانوا قد أفرغوا النص من قبل ولم يتركوا سوى مجرد صورة باهتة بلا سُمكٍ ولا اختلاجات؟ وما أقوله، بداهة، ليس مجرد افتراض. بل إنها لحقيقة معروفة جيدا أن ترجمة أفلاطونية وحيدة كانت خصبةً حقا. وهذه الترجمة هي على وجه الدقة ترجمة شلايرماخر وكانت خصبة بالضبط لأنه، بتخطيط عمدي، تخلّى عن عمل ترجمة جميلة، وأراد، في مقاربة أولى، عمل ما كنت أقوله. هذه الترجمة الشهيرة كانت عظيمة الفائدة، حتى بالنسبة للفيلولوجيين. لأن من الزائف الاعتقاد بأن هذا النوع من الأعمال لا تفيد سوى من يجهلون الإغريقية واللاتينية.
أتخيل، إذن، شكلا من الترجمة تكون قبيحة، مثلما هو العلم دوما، الذي لا يزعم رداءً أدبيا، ولا يكون من السهل قراءته، لكنه يكون بالغ الوضوح، رغم أن ذلك الوضوح يتطلب كمية ضخمة من الهوامش أسفل الصفحة. من الضروري أن يعرف القارئ سلفاً أنه عند قراءة ترجمة لن يقرأ كتابا جميلا أدبيا، بل سيستخدم جهازا مزعجاً جدا، لكنه سيجعله حقا يتقمّص أفلاطون الرجل التعيس الذي منذ أربعة وعشرين قرناً جاهد على طريقته للبقاء طافياً على سطح الحياة.
كان بشر أزمنةٍ أخرى يفتقرون إلى القدماء بمعنى براجماتي. كانوا بحاجة إلى أن يتعلموا منهم أشياء كثيرة ليستخدموها في قلب راهنيتهم. من المفهوم أن تحاول الترجمة حينها تحديث النص القديم، واستيعابه في الحاضر. لكن ما يلائمنا هو العكس. فنحن نحتاجهم على وجه الدقة بقدر كونهم مختلفين عنا، ويجب على الترجمة أن تشدّد على طابعهم الغرائبي والبعيد، جاعلة إياه مفهوماً بوصفه كذلك.
لا أفهم كيف لا يعتبر كل فيلولوجي نفسَه مُلزماً بأن يترك عملا من الأعمال القديمة مترجما بهذه الطريقة. وعموما، يجب على كل كاتب ألّا يقلّل من قيمة مهنة الترجمة وأن يكمل عمله الشخصي بترجمةٍ مما هو قديم، أو وسيط، أو معاصر. من الضروري تجديد مكانة هذا الجهد ورفع قيمته بوصفه عملا ذهنيا من الطراز الأول. وإذا فعلنا ذلك، ستتحول الترجمة إلى تخصّص قائم بذاته سيفرز، بممارسته باستمرار، تقنيةً خاصة ستوسّع بصورة رائعة شبكتنا من الطرق الذكية. وإذا كنت قد ركّزت بوجه خاص على الترجمات من الإغريقية واللاتينية، فذلك فقط لأن المسألة العامة تصبح أكثر وضوحا في تلك الحالة. لكن بقدرٍ أو بآخر، تكون حدود المسألة هي ذاتها بالإشارة إلى أي حقبة أو شعب آخرين. والأمر الحاسم أن نحاول، عند الترجمة، الخروج من لغتنا إلى اللغات الغريبة وليس العكس، وهو ما يجري عمله عادةً. وأحيانا، خصوصا عند التعامل مع مؤلفين معاصرين، سيكون ممكنا أن تملك الترجمة، فضلا عن فضائلها بوصفها ترجمة، قيمةً جمالية معينة. حينها ستكون عسلا فوق رقائق الشوفان -كما تقولون حضراتكم الإسبان، ربما دون أن تكون لديكم فكرة عما هي رقائق الشوفان.
– أسمعك بمتعة بالغة -قلت لأختتم- من الواضح أن جمهور بلدٍ ما لا تروقه ترجمةٌ صنعت بأسلوب لغته الخاصة. فمن أجل هذا لديه أكثر مما يكفيه من إنتاج المؤلفين المحليين. ما يروقه هو العكس: بدفع إمكانات لغته إلى أقصى حدود المفهوم، أن يستشفّ فيها أنماط الحديث الخاصة بالمؤلف المترجَم. وترجمات كتبي إلى الألمانية مثالٌ جيد على هذا. فخلال سنوات قليلة صدر منها أكثر من خمس عشرة طبعة. ولن تكون الحالة مفهومة إذا لم ننسب ثلاثة أرباعها إلى توفيق الترجمة. فقد دفعت مترجمتي الاحتمالَ النحوي للغة الألمانية إلى أقصى الحدود لتنقش فيها على وجه الدقة ما ليس ألمانيا في طريقة حديثي. بهذه الطريقة، يجد القارئ نفسه دون جهد يقوم بإيماءاتٍ ذهنية هي الإيماءات الإسبانية. بهذه الطريقة يستريح من نفسه قليلا ويسلّيه برهةً أن يكون آخر.
لكن عمل هذا بالغ الصعوبة في اللغة الفرنسية. أشعر أن آخر كلماتي في هذا الاجتماع ستكون عدوانيةً رغم إرادتي، لكن الموضوع الذي نتحدث عنه يفرضها. إنها هذه: من بين كل اللغات الأوروبية، فإن أقلها تسهيلا لمهمة الترجمة هي الفرنسية.
هوامش المترجم:
* Volapük: لغة اصطناعية وضعها عام 1879 كاهن ألماني هو يوهان م. شلاير، للاستخدام العالمي، على أساس صيغ معدّة من كلمات إنجليزية وكلمات رومانس.
** التجسد العابر: ترجمة مقلقلة للتعبير عن مفهوم تحول الخبز والنبيذ إلى لحم ودم السيد المسيح.

يهتم موقع “ترجمان” بمجال الترجمة في العلوم الإنسانية والاجتماعية والأدب، وهو مشغول بطرح الجدالات عن الترجمة دراسة وتطبيقا، ويهتم بأخبار الترجمة في العالم العربي، وبدراسات الترجمة في العالم، والنقاش مع المترجمين عن تجاربهم، وإقامة مجتمع من المترجمين لرفع الوعي بأوضاع مهنة الترجمة وأخلاقياتها.

