سعيد بوخليط: هل الترجمة مهنة؟

من كتاب «شاعرية الترجمة: حوار ذاتي لمترجم» للمترجم المغربي سعيد بوخليط عن دار نشر ساراي (2025). منشور بإذن من الناشر.

*

يحتمل التساؤل عن الترجمة كمهنة قراءتين متوازيتين، تنطويان على معنى الإقرار والتأكيد: بأن الترجمة فعلًا مهنة، غير أن الدلالة الضمنية تختلف باختلاف القيمة الأخلاقية لكل تفسير.

التأويل الأول الإيجابي، فالترجمة مهنة وصنعة وحرفة، غاية في ذاتها، وليست وسيلة أو أداة فقط لتحقيق أهداف أخرى، فهي سعي الفرد نحو المعرفة وأسبابها، وسبل ترسيخها، حتى يصل إلى الحدود الأسمى ويدرك جدوى حياته، هنا، تصبح الترجمة ممارسة يومية، تتلمس من خلالها الوجود وتعددية الحياة.

أما البعد الثاني من التعريف، فهو أقل سموًا، لأنه يظل محصورًا ضمن المحددات المادية العابرة، فتغذو الترجمة وسيلة للبحث عن أسباب العيش.

طبعًا، لا يُقصد في هذا السياق من الحديث جملة وتفصيلًا الذين اختاروا الترجمة منذ البداية بوصفها بوابة تخصص مهني، ووسيلة لمورد مادي خالص، سواء في مؤسسات إعلامية أو قانونية أو حتى في موقع التدريس حين يختار الفرد التكوين المعرفي والبيداغوجي في مجال الترجمة، قصد الانتقال إلى موقع العمل وامتهانها دون زيادة أو نقصان على مستوى المطلوب والممكن. زمرة من الأشخاص يدّرسون الترجمة داخل أروقة المعاهد والجامعات، ولا يفصحون بالضرورة عن هويتهم هذه عبر الكتابة، فيلقنون أدوات وتقنيات الترجمة نظريًا، دون ممارستها فعليًا.

إذن، يعزز سؤال جوهري حول الترجمة كمهنة أو لا، خصوصًا إذا نظرنا إليها من زاوية ارتباطها بمشروع الكتابة، وفق مفهومها المجرد: إبداع الأفكار والتعبير عن الأحاسيس بين طيات نصوص مكتوبة.

حينها، يمتهن الفرد الترجمة، ويمنحها الأولوية الوجودية قياسًا لأنشطة وظيفية أخرى، تهتم أولًا وأخيرًا بتحويل نصوص من لغة إلى أخرى وفق الشروط الأكاديمية على مستوى الشكل والمضمون، مقابل مكافأة مادية لقاء الترجمة المنجزة.

بهذا الصدد، يتضح مكمن السؤال والدافع إلى طرحه، حول النزوع الأخلاقي والوازع القيمي فيما يتعلق بمقتضيات التعويض المادي، وحدود ودرجات سلطة إطار «تحت الطلب»، ومدى تأثير ذلك على حرية المترجم وممكنات إبداعه، لا سيما حين يستند دافع العمل إلى تعاقد رسمي مع ناشر أو جهة معينة لتنفيذ ترجمة محددة.

في هذه اللحظة، تستدعى حيثيات جوهرية أخرى قد تكون غائبة، غير مطروحة ضمن أخلاقيات الترجمة المهنية بمفهومها الإداري والبيروقراطي، بحيث يختلف التناول تمامًا عند الانتقال إلى مرتكزات الترجمة المعرفية الخالصة، حيث المعرفة في ذاتها ولذاتها، وقد تسامت عن مختلف الحوافز البراغماتية أو الأداتية، ما يقتضي الحميمية والحكمة والشغف والتأمل والحرية. جملة معطيات تغيب كليًا أو جزئيًا عن المقامات الأخرى التي اختزلت الترجمة إلى مجرد مهنة ووظيفة.

عمومًا، لا بد من توفر شرط مجتمعي أساسي لا غنى عنه، لضمان هذا التداخل الطبيعي والسليم والمتوازن والخلاق بين الترجمة في إطار مثاليتها الإبداعية، وبين مفهوم الترجمة/ المهنة ضمن إحالاتها المادية والأداتية، يتعلق الأمر أساسًا بالبناء المؤسساتي للمشاريع الفكرية داخل مجتمعات متحضرة ومتطورة، تستند ديناميتها على مشروع مجتمعي حقيقي مبدع، تتوخى مؤسساته الصدق والسمو بالإنسان تبعًا لأفق جدلياته اللانهائية.

تصبح الترجمة عندئذ رافعة بناءة، ترافق مختلف آليات المشروع المجتمعي الكبير، الذي يشتغل وفق منظومة محكمة التشكل: معرفيًا واقتصاديًا وسياسيًا. والمترجم فاعل أساسي يراكم من جهته وعلى طريقته نحو ذات الأفق الذي تصب غايته جل الروافد التأملية الأخرى.

ضمن هذا الإطار المؤسساتي، وبغية توطيد منظومة الفكر المادي وشتى الممارسات المعرفية، ثم تحويلها باستمرار إلى قوة روحية خلاقة، تآخذ المجتمع نحو طفرات نوعية، تصبح الترجمة حينها مهنة لا غنى عنها، والمترجم موظف ينتمي بنيويًا ووظيفيًا إلى منظومة متكاملة الأبعاد، من أجل تحقيق المشروع المجتمعي المأمول. ينعم المترجم بوضع اعتباري مميز، منسجم مع قناعاته ورؤاه، يختبر حريته تبعًا للشغف العام، ارتباطًا بمنظومة المجتمع، وقد تبنى الحكمة ارتباطًا بجذور بناء الإنسان وفق مفهومه الكامل.

هكذا، تتجلى تداعيات الترجمة كمهنة من خلال التمييز بين المستويات المادية والمعنوية للمفاهيم، ثم تحديد كنه المعرفة باعتبارها شغفًا وتحررًا شاملًا للإنسان من كل سلطة أو استلاب أو حاجة، وأخيرًا انسجام هذا التعريف مع ذاته، وامتلاكه مختلف أسباب المشروعية، ارتباطًا بمجتمع تديره مؤسسات تصب نحو مشروع معرفي متكامل المبنى والمعنى، الظاهر والجوهر، وبالتأكيد لا مناص من منظومة للترجمة تشتغل بدأب يشبه آلة هائلة، لتطوير وترسيخ مدى التعدد الهوياتي عبر التحاور اللغوي الامتناهي الذي يعكس ماهية الإنسان الأبدية والخالدة.

*

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *