صامولي شيلكه: اﻷنثروبولوجيا علم صالح لفهم ما بعد الحداثة (حوار مع سارة الراجحي وحسين الحاج)

صدر العام الماضي كتاب «هوامش مشتركة: دراسة إثنوغرافية مع الكتاب في اﻹسكندرية بعد الثورة» للباحث الأنثروبولوجي صامولي شيلكه والكاتب الروائي مختار سعد شحاتة بترجمة عبد الرحيم يوسف وتحرير أسماء السكوتي عن دار صفصافة. يدور الكتاب الجديد حول الكتّاب والكتابة واﻷوساط اﻷدبية في اﻹسكندرية، وهو يقدم شهادة قائمة على العمل الميداني لمختلف اﻷوساط واﻷساليب اﻷدبية وما بينهم من أرضيات مشتركة ونقاط اختلاف، كما يفسر اﻷدب بصفته ممارسة اجتماعية متضمنة في اﻷوساط التي تسمح بالخيال اﻷدبي وتقيده في الوقت ذاته. يقدم الكتاب حجة ترى أن الكتابة اﻷدبية تحتوي حالة هامشية تقيد كتابها وتمكّنهم في الوقت ذاته، وهي تسمح بمساحات مشتركة من المبالغة الخيالية تتجاوز مسلمات الوسط الاجتماعي، وإن لم تتمتع بحرية مطلقة في ذات الوقت.

حصل صامولي على الدكتوراه في الأنثروبولوجيا من جامعة أمستردام في هولندا عام 2006 برسالته عن موالد الأولياء في مصر. وتناول في أبحاثه ما بعد الدكتوراة عدة موضوعات منها شهر رمضان في مصر، الازدواجية في الأخلاق، تجارب الشباب في الالتزام الديني، الحب والزواج، الملل والإحباط، الاستهلاك والبحث عن مصدر رزق، أحلام الهجرة وواقعها، دور الخيال في الواقع الاجتماعي، دوافع الكتابة الأدبية وتأثيرها على حياة الكاتب. ونُشر له باللغة العربية كتابي «هتتأخر على الثورة: دفتر يوميات عالم أنثروبولوجيا شهد الثورة» ترجمة عمرو خيري عن دار النفيسة عام 2011، و«حتى ينتهي النفط: الهجرة واﻷحلام في ضواحي الخليج» ترجمة عمرو خيري أيضَا عن دار صفصافة عام 2017، باﻹضافة إلى عدد من المقالات والدراسات التي نشرت في مجلات ورقية عدة ومواقع إلكترونية مختلفة. كما شارك مع دانييلا سفاروفسكي في إنتاج فيلم «رسائل من الجنة: عن البحث الدائم عن مكان أفضل: مصر-النمسا» (2009)، فضلًا عن مشاركته في ثلاثة أفلام مع مختار سعد شحاتة: «الناحية التانية» (2010) و«العاصمة السرية» (2013) و«ما زال يحدث في العاصمة السرية» (2013).

أجرى هذا الحوار أعضاء معهد القاهرة للعلوم واﻵداب الحرة باﻹسكندرية (سيلاس اﻹسكندرية) حسين الحاج وسارة الراجحي في خريف 2019، وقد قال صامولي وقتها أنه كان قد أتى إلى اﻹسكندرية خصيصًا للتفرغ للإنتهاء من كتاب «هوامش مشتركة»، حيث تحدث في الحوار عن تجربته في إقامة حلقة الدراسات اﻷنثروبولوجية في مكتبة اﻹسكندرية في عام 2014 وتجاربه في ترجمة أعماله إلى العربية وانتشار الاهتمام بحقل اﻷنثروبولوجيا في مصر والعالم العربي. 

حسين وسارة: نشكرك لوجودك معانا النهارده وبإنك سمحت بتسجيل اللقاء ده، في البداية أحب أتكلم عن بدء معرفتي بكتاباتك، أنا فاكر إني في 2012 كان أول بحث أنثروبولوجي أقراه بالعربية هو «عيد الحب في مصر: قراءة في الجدل الديني والثقافي». وكانت كل البحوث الأنثروبولوجية اللي قريتها مكتوبة باللغة الإنجليزية وحفظت اسمك وتابعت كتاباتك بعد كده زي «هتتأخر على الثورة» وكتابات تانية. وبعدين سمعت عن حلقة الأنثروبولوجيا في مكتبة إسكندرية من بعض الحاضرين اللي ما كانش عندهم خلفية في العلوم الاجتماعية على الإطلاق. في مقابلتنا النهارده عايزين نسألك عن تجربة الحلقة والترجمة، باعتبارهم أوجه مختلفة لتعرف الجمهور والمثقفين المصريين على شغلك عن مصر كباحث أنثروبولوجي. في الأول عايزين نعرف منك ليه كنت مهتم تعمل حلقة عن الأنثروبولوجيا؟

صامولي: ده لسببين، أولاً لأن الموضوع اتعرض عليَّ. وثانياً لإنها كانت نتيجة لأول تجربة ليا في الترجمة، بعدها ابتديت أحس إن فيه جمهور مصري مهتم بالأبحاث الأنثروبولوجية والعلوم الاجتماعية والتاريخية، اللي ممكن نسميهم الشباب اللي عندهم اهتمام بالتعليم من خلال الاحتكاك بالأبحاث. 

الموضوع بدأ ببساطة، لما حصل احتكاك مع زميلي وصديقي إيمون كريل -لما كنا بنشتغل احنا الاتنين على الحب، هو بيشتغل عن عيد الحب، وأنا باشتغل عن فكرة أخلاقيات الحب الجنوني وشخصية مجنون ليلى. فقررنا نكتب مقالة مع بعض، وإيمون عرفني على ناس كانوا عاملين أيامها شغل قوي وترجمات كتير في دورية اسمها مراصد، وطلبوا منا نكتب مقالة يترجموها للدورية، ودي كانت أول مقالة اتكتبت عشان تترجم بالعربي ومش منشورة غير بالعربية. وللأسف اسم إيمون اتشال من الصفحة الأولى في الترجمة فظهرت كأنها مقالتي أنا بس، والحقيقة إن إيمون هو الكاتب الأول وأنا الكاتب الثاني.

ده كان أول تعارف ليَّ مع فريق المكتبة، وفي نفس الوقت كان فيه باحثة دكتوراه من فنلندا اسمها سيني جاية مكتبة إسكندرية علشان رسالة دكتوراه ناقشتها في نفس السنة دي عن العلاقات العاطفية والحب والجواز وعلاقتها بوسائل التواصل والإنترنت والتليفونات. وعملت دورة دراسات شبه الدورة اللي قمت بيها بس على نطاق أصغر باللغة الإنجليزية، واستخدمتها كفرصة تتعرف من خلالها على أفكار بعض الشباب واللي ممكن بعد كده تطور أفكارها، وأنا ورثت الدورة منها. وبعض الناس اللي كانوا مشاركين في الدورة بتاعتها اتنقلوا لدورتي اللي بدأتها في شهر نوفمبر 2014. 

الفكرة في دورتي مختلفة شوية، سيني كانت تركيزها الأكبر على موضوع الشباب المصري، ومواضيع قريبة من إسكندرية والمجتمع المصري، أما أنا فكانت فكرتي إني أخلق اللي أنا سميته رفاهية باحث من العالم الأول بيركز ويهتم بمشاكل ناس تانيين، دي تعتبر من الأزمات الأساسية اللي بتعمل تمييز طبقي في المؤسسات العلمية، يعني نفكر إزاي ممكن أقدم حل للمشاكل المجتمعية، أو أكتفي برفاهية إني أقعد أحللها من غير ما أحس إني لازم أحلها. فحاولت أخلق المساحة دي في دورتي، وعلى عكس سيني اخترت أغلبية النصوص عن أماكن غير مصر. وما كانتش دورة تدريبية معلن عنها باعتبارها دورة دراسات في الأنثروبولوجيا، وما قدمتش فيها فكرة منهج البحث العلمي الأنثروبولوجي، كان ممكن اعتبارها منهج تعليمي تقليدي. أقصد إنها كانت ورشة بناخد فيها نص نناقشه في كل مرة نتقابل فيها مناقشة متعمقة، ما كانش فيه إبداع في المنهج. الإبداع كان في إن الكورس ده بيخلق مساحة من رفاهية التفكير خارج صندوق المشاكل المباشرة اللي الناس بتفكر فيها. مع إن كل في مناقشة تقريبا كنا بنتنقل لمواضيع تخص المجتمع المصري والوضع فيه، لأن ده اللي كان بيشغل بال الناس.

إحنا ابتدينا بنص نظري وهو كتاب «ابتكار الحياة اليومية» لميشيل دو سارتو، أولا لإنه كان موجود منه ترجمتين مختلفين ومعظم النصوص اللي قريناها كانت بالانجليزي. ولإن عدد النصوص الأنثروبولوجية المترجمة كويس قليل، فكل فين وفين لما تلاقي حد عنده نص عربي ممكن نقراه، إيمون جه مرة وعرض النص بتاعنا عن الحب، وأنا استضفت ناس تانيين بيقدموا شغلهم لكن معظم النصوص كانت بالانجليزي. طبعا كان فيه حاجز طبقي للمشاركة، مع إن الحوار دايما بالعربي، بس كون القراءات بالإنجليزية خلى بعض الناس ما تجيش. بالنسبالي، أنا كنت عايز الناس تقرا أحسن حاجة مكتوبة وبعدين نخلي المناقشة سهلة، لكن اللغة الإنجليزية حطت حاجز شوية. 

أنا فاكر إن كتاب دو سارتو ده كان اختيار كويس، لأن نظريته الأساسية إننا لازم نفكر في المجتمع وعلاقات السلطة وعلاقات إنتاج المجتمع من تحت، مش الخطة اللي تيجي من فوق لكن من خطوات بتاخدها الناس وهي ماشية في الشوارع. لقيت في دو سارتو فرصة أفتح موضوع علاقات السلطة بطريقة مقلوبة، يعني إزاي نحط قواعد وبعدين نلاقي الناس مش ماشية عليها؟ إحنا شايفين الناس مش ماشية صح، والحقيقة إن القواعد هي اللي مش فاهمة الناس صح. دو سارتو قدم صورة قارن فيها مشهد نيويورك من فوق برج التجارة كمدينة مقسمة لمربعات منظمة تماما وفي المقابل الطريقة اللي بيمشي فيها الشخص في الشارع في نيويورك والخطوات اللي بياخدها عشان يعرف سكته، فكرته الأساسية كانت إننا ممكن نفهم علاقات السلطة من تحت من وجهة نظر الطرف الضعيف وإزاي الطرف الضعيف يخلق لنفسه مساحة يعيش فيها.

دي كانت بداية نظرية شوية لكن كانت الناس تفاعلت معاها، مع إن النصوص كانت بعيدة عن الوضع في مصر ويمكن قرينا نصين بس اتكلموا عن مصر، إلا إن الجمهور كان مستمر، كان تقريبا الجمهور الأساسي مكون من حوالي 15 فرد، وفيه ناس بتختفي وتظهر حسب ظروفها واهتمامها، الدورة بدأت سنة 2014، وكان المفروض نكمل كل أسبوعين لغاية شهر مايو، لكن أنا حصلت لي ظروف شخصية وسافرت وكنت كل مدة طويلة لما ألاقي شوية وقت وآجي عشر أيام أو أسبوعين وأعمل الدورة. والدورة ما بقتش زي ما كنا بنفكر فيها لو اتعملت مرة واحدة عشان لقيت قبول عند المشاركين ولقيت ناس جديدة بتيجي وتسأل عن الدورة، فقلنا نستمر فيها طول ما أنا باقدر استمر في زياراتي ﻹسكندرية، واستمرينا لغاية سنة 2017، يعني استمرت سنتين ونص.

ولغاية النهاردة أنا حاسس إن ده كان أكبر وأهم عمل تعليمي شاركت فيه، علشان الناس جت مش علشان تاخد شهادة ولا مزايا تستخدمها في الدراسة. الناس شاركت في الدورة علشان حست إنها بتتعلم حاجة، والميزة الكبيرة بالنسبة لهم إن التكاليف كانت مدفوعة، القاعة والمكان على حساب المكتبة وأنا كنت جاي باحث زائر في المكتبة على حساب الشغل في ألمانيا فمرتبي كان مدفوع، ما فيش أي مصاريف، أي حد كان يحاول يعمل حاجة مستقلة أو بديلة بيواجه مشكلة مين حيدفع أجرة المكان، ولو حنستضيف حد مين حيدفع تكلفته؟ والميزة الكبيرة التانية في المكتبة إنها المؤسسة الوحيدة تقريبا في الاسكندرية اللي مفيهاش شللية، هي ليها قائمة بريدية email list توصل لناس مختلفين العامل المشترك بينهم الاهتمام بالتعليم والثقافة.

سارة: على خلفية إقامتك لمحاضرة في سيلاس اﻹسكندرية اﻷسبوع دا وحديثك مع طلاب سيلاس اﻹسكندرية عن مقالك أين تقع اﻹسكندرية، إيه انطباعك عن تنوع الجمهور اللي حضر حلقة الدراسات اﻷنثروبولوجية في 2014 وعن التجربة اللي خاضها في النوع ده من التعليم -مش بغرض إنه ياخد شهادة؟

صامولي: طبعا كان فيه اختيار للناس قبل الموافقة على الحضور، في البداية الناس كانوا بيقدموا استمارة مشاركة واحنا ما رفضناش حد علشان ما كانش العدد كبير، بعد كده ما بقاش فيه استمارة تقديم، بقى الحضور مفتوح للجميع واللي عايز يشارك يجي يحضر، ولو شايف إن الكلام تقيل وأكاديمي ما كانش ييجي تاني، كان فيه رهان على إننا حنلاقي عشر أفراد على الأقل حيشاركوا في النقاش وراح يحتكوا ويحتدوا في المواقف.

الجمهور كان متنوع في توجهاته السياسية وفي مواقفه الدينية ومواقفه الشخصية من الحياة وخلفياته، بس زي ما قلت النصوص الانجليزية عملت حاجز طبقي، لأن اللي متعلم تعليم حكومي في مصر في الغالب ما يبكونش عنده مستوى عالي في القراءة الأكاديمية الانجليزية اللي ممكن يساعده على إنه يعرف يفهم النص ده كله ويكون عنده تعليقات مفيدة لينا. هنا كان فيه حاجز واضح وأعتقد اني لو عرفت أرجع وأعمل دورة جديدة راح أعتمد على شغل الترجمة اللي ظهر من فترة قصيرة، يعني لو عملت دورة دلوقتي مش راح أحتاج نصوص إنجليزية، ممكن فعلا أعتمد على ترجمات عربية ممتازة. موجة الترجمة حصلت في الفترة دي، عمرو خيري واحد من المترجمين المهمين اللي شاركوا في الحركة دي كان هو نفسه بيشارك في الدورة معايا، وأنا أعرف إنه ترجم من الحاجات اللي إحنا ناقشناها. الميزة إن الناس جت من خلفيات فكرية ومنهجية مختلفة. كان فيه ناس أصلا مثقفة، وحضر أساتذة جامعة المفروض أنا اللي أحضر كورساتهم، وناس لسه مخلصين تعليمهم وبيكملوا الدراسات العليا وجايين بفكر كلاسيكي أكاديمي مصري، اللي بيخلي الواحد يطلع من الكلية عنده رعب إنه يفكر بطريقة تانية، أنا ما كنتش باقدم فكرة منهج أو مادة معينة، أنا كنت باقدم أفكار للمناقشة، بمعنى إن مفيش إجابة صح وإجابة غلط. هل أنا موافق على النص اللي إحنا ناقشناه ولا مختلف معاه؟ ده مش مهم، المهم إنه النص ده يستاهل المناقشة ويستاهل التركيز عليه. علشان كده في أوقات كتيرة كانت المناقشات تدخل على مواضيع معينة يبقى فيها فعلا اختلافات وأعتقد إن ده كان مهم للجمهور كله إنه يدور على فرصة للمناقشة، مش جايين يسمعوا إجابات نهائية، ولا آخر كلام اتقال، هم كلهم كان عندهم مواقف تخليهم يفتحوا مواضيع. 

بعض الناس طورت معايا علاقات صداقة شخصية، وفي شهر سبتمبر 2019، لما رجعت ﻷول مرة بعد سنتين ﻹسكندرية، بعض الناس اللي حضروا الدورة سألوني إذا كنا حنتقابل تاني قلت خلاص نتقابل بس ما عنديش طاقة إني أبتدي الدورة تاني.

سارة: إذن كونت علاقة مع الجمهور ده والعلاقة دي لسه مكملة؟

صامولي: آه، هم من مراحل عمرية مختلفة، فيه ناس في سني وأكبر مني وناس في سن تمانتاشر وعشرين سنة ولسه في الكلية. لكن حاسس إنهم في الغالب استفادوا، أولا لإنهم حضروا أكتر من مرة واستمروا في المشاركة وما زالوا على تواصل معايا ولما بانزل إسكندرية بيكونوا عايزين يقابلوني ولما ييجوا برلين بيبقوا عايزين يعدوا عليَّ، مع إني ما كونتش شلة ولا جماعة، لإن كلهم ناس من خلفيات وتوجهات مختلفة ودي كانت ميزة المكتبة، إنها ما كونتش وحدة فكرية قد ما كونت فرصة لتطوير اتجاهات مختلفة وده كان غرضي في الحقيقة. اسم الدورة كان «قراءات أنثروبولوجية في عالمنا المعاصر»، كان اسم عام لكن زي ما الاسم بيدل ما كانتش دورة في الأنثروبولوجيا نفسها قد ما كانت دورة في التفكير في العالم المعاصر من خلال القراءات الأنثروبولوجية. ومن هنا برضه أنا أخدت موقف واضح إننا مش هنتكلم عن اﻷنثروبولوجيا باعتبارها دراسة للمجتمعات الصغيرة أو الريفية أو القبلية، لكن حنتكلم عن اﻷنثروبولوجيا كعلم صالح لفهم ما بعد الحداثة.

حسين: قلت إن عمرو خيري حضر الجلسات والحلقة، فهل البداية إنكم اتعرفتوا بشكل شخصي الأول وبعدين الترجمة حصلت ولا الترجمة بدأت ونشأت بعدها العلاقة الشخصية؟ والعلاقة عمومًا مع الترجمات التانية لأن عمرو خيري برضه ترجم دراسة تانية، «هل يقدر الشعر على تغيير العالم؟»، وبعد كده ترى البحر ترجمت «أين تقع الإسكندرية؟».

صامولي: عبد الرحيم يوسف ترجم أين تقع الاسكندرية، وعمرو خيري ترجم الأعمال التانية، هي فعلاً علاقة شخصية، علشان أسلوبي في الترجمة هو إني عايز أقدر أعدل في الترجمة العربية لنصوصي وممكن أي حد يترجم لي أي حاجة يتعب معايا.

الموضوع بدأ في 2011، أول ترجمة كانت ترجمة «عيد الحب في مصر»، لكن أنا ما كنتش أعرف المترجمة شخصيًا والموضوع كله مشي من خلال وحدة الدراسات في المكتبة. أما ترجمة مدونة الثورة في كتاب «هتتأخر على الثورة» جت من مبادرة لعمرو خيري. هو بعت لي يوم فجأة رسالة على الإيميل بيقول أنا قريت مدونتك ومهتم أترجمها، علشان أنا حاسس إني عايز أترجم عمل أنثروبولوجي بيحكي عن الثورة. 

أنا كتبت المدونة دي علشان حسيت بضرورة إني أكون في مصر وأشوف اللي بيحصل أيام الثورة، علشان حسيت إني لازم أفهم اللي بيحصل وهو بيحصل مش بعدها، ويرجع الفضل الكبير لمراتي دانييلا اللي قالت لي لو أنت رايح مصر دلوقتي وأنا خايفة عليك، على الأقل ما تكونش أناني وخلينا نعرف أنت شفت إيه، وافقت وكتبت المدونة دي. بعدين المدونة اتحولت لمزيج من توثيق اللي شفته، ومحاولة تحليل علمية من وجهة نظر الأنثروبولوجيا للديناميات الاجتماعية والعاطفية وده حصل كمان بين الناس اللي مش مشاركين في الحدث نفسه وكانوا بعيد شوية عن التحرير. 

عمرو خيري عجبه الكلام والتفكير اللي مختلف شوية عن التفكير السياسي اللي دايمًا مركز على المطالب والمواقف والأيديولوجيات، واتطوع إنه يترجم المدونة واتطوع إنه يتفق مع ناشر لنشره ككتاب. والموضوع حصل بسرعة، ودا غريب لإني كنت كتبت كتابين كاملين قبلها، أو كتاب كامل عن الموالد كان في طريقه للنشر ومكتوب من 2006، لكن اتأخر في النشر واتنشر في 2012. والكتاب التاني Egypt in the Future Tense، اللي ممكن نترجمه «مصر في انتظار الآتي»، أو «مصر في زمن المستقبل»، كان تحت الإعداد، وما تنشرش غير 2015. 

هتتأخر على الثورة ما كانش أصلا مكتوب ككتاب لكن كانت مدونة للكتابة السريعة وطلع كأول كتاب ليا. وقت الثورة ظهرت كتب كتيرة مكتوبة عنها، والكتاب ده ظهر بسرعة في شهر نوفمبر 2011. كان يهمني أسمع ردود فعل المصريين، خصوصًا الناس اللي ما بيقروش إنجليزي واللي هم معظم صحابي، ده فتح لي عالم جديد. ودلوقتي أنا في اسكندرية علشان أتفرغ لكتابة تالت مشروع بحثي، والمشروع التالت ده عبارة عن بحث كبير بدأته في 2010 عن الكتابة الأدبية كعملية اجتماعية، عايز أشوف الخيال والإبداع كعملية مش كمنتج، وفي أول أسبوعين أنا موجود فيهم في اسكندرية علشان أكتب البحث قريت مذكراتي، لقيت ملاحظة كتبتها في 2010 إني لازم أحتك بالناس في مصر وأنشر حاجة مترجمة، يعني كان عندي رغبة في كده، مع إني في الأول كنت باعاني من نفس عقدة معظم الباحثين الأجانب والأنثروبولوجيين الخاصة بإننا بنحتك بمجتمعات فيها ناس متعلمين ومنهم مثقفين وناس تانيين غير متعلمين، يعني بنحتك بناس عندهم أصلا أفكار وفهم تحليلي للمجتمع، لكننا ننشر أبحاثنا بلغاتنا وفي أماكن ما بتوصلش للناس اللي احتكينا بهم. وأنا نجاحي كباحث أكاديمي مش مبني على إني أشارك في حوار مع فئات من الناس في مصر بقدر ما هو مبني على إني عملت أبحاث مهمة مثيرة للجدل بين أكاديميين أوروبيين وأمريكان تانيين. يعني ممكن نقعد في اﻷكاديميا وننقد ما بعد الاستعمار، لكن الحوار ده بيحصل في دايرة وإن كانت مفتوحة لكنها صغيرة، وهي في كل الأحوال بعيدة عن الشخص اللي ما خدش تعليم يأهله إنه يقرا أبحاث بالإنجليزية في العلوم الاجتماعية. وده كان تفكيرنا اللي كنا بنتربى عليه في الدراسات العليا وده ده النجاح اللي كنا بندور عليه. 

وبالتالي أول تجاربي في الترجمة وردود الفعل شجعتني إنه هدفي الأهم لازم يكون القارئ المصري، وده مش معناه إن كل المصريين حيقروا، لإن الكتابة الأكاديمية والكتابة البحثية جمهورها عادة مش كبير، لإن البحث الأكاديمي صعب شوية، وعايز شخص مهتم بيه وعنده استعداد يشغل دماغه بحاجات متعبة ومحتاجة تركيز، ناس كتيرة ما عندهاش رفاهية المصادر والوقت، لكن على الأقل من المهم يكون الجمهور الصغير ده من مصر مش من الجمهور الصغير بتاع أمريكا وكندا وأوروبا، وده عمل لي جمهور صغير يهمني مش لإنه جمهور مثير للجدل اللي بنحبه علشان بيخلينا نحس إننا ناقدين ومناضلين، لكن كمان ﻷن الكلام ده يخصه، وهنا يبقى لشغلي لازمة، ما تخصش مستقبلي العلمي لوحده لكن كمان تهم الناس اللي باكتب عنهم، ومن يومها بقيت مصمم أترجم أعمالي، ومعظم اللي كتبته ونشرته في الفترة دي اترجم.

الأعمال التانية اللي كتبتها -وكانت محور المناقشة الاكاديمية في أوروبا- وبتشرح إزاي ممكن نفهم التدين الإسلامي من وجهة نظر اجتماعية، ما اتنشرش في مصر لإني حاسس إن المصريين مش محتاجين حد يفهمهم الموضوع ده، الناس هنا فاهمين المسألة. لكن اللي اترجم البحث اللي عن الغربة والسفر للخليج واتنشر بعنوان «حتى ينتهي النفط» وترجمه برضه عمرو خيري. وبعدين كتبت عدد من المقالات عن مشروعي البحثي عن الكتابة الأدبية اتنشر منها «هل يقدر الشعر على تغيير العالم؟» و«أين تقع الإسكندرية؟». والأخير ده باشوفه من أنجح النماذج في مشروعي لإنه بيتكلم عن مناقشات حصلت في الوسط الثقافي في الإسكندرية في وقت كتابة المقال، والمقال نفسه اتنشر في مجلة سكندرية، ولما جيت مصر بعدها بسنة لقيت ناس منهم قروا المقال واتناقشوا فيه، فأنا حسيت إني اتحولت من باحث أجنبي بينزل يجمع أفكار ويسافر يكمل بيها مستقبله المهني إلى شخص بيقوم بدور إيجابي في الوسط اللي مهتم بالنوع ده من القضايا.

حسين: هل ده معناه إن الترجمة اللي كانت سبب في معرفة جمهور متنوع بيمثل فئات الوسط الثقافي والفني المصري والفني بيك لعبت دور في شغلك في مجال البحوث الأنثروبولوجية، وبمعنى تاني هل الترجمة خلت علاقتك بالمجال اللي أنت بتشتغل فيه في مصر أحسن؟ ده موضوع محتاجين نتأمله، لأن فيه بحوث كتيرة بتتكتب في مصر ومش بتترجم وبعدين الباحث يفقد صلته بالمجتمع ده لما يرجع أوروبا.

صامولي: بيفقد صلته بردود الفعل اللي ممكن تجيله من القارئ. حاليًا فيه موجة من الترجمة مرتبطة باهتمام طبقة شابة من ناس بيتحركوا في الأوساط الثقافية وعندهم اهتمام بالتعليم في علوم التاريخ والاجتماع والأدب، وبالفعل ذوقهم اتغير وبيدوروا على أفكار جديدة غير متداولة، في المناخ ده ظهرت الأنثروبولوجيا كمجال مجهول في مصر باستثناءات قليلة، وكانت الفكرة فيها إنها تفكير استعماري نوعًا ما: يعني نعمل أبحاث أنثروبولوجية في أفريقيا زي ما الأوروبيين بيعملوا أبحاث أنثروبولوجية في مصر، واللي اتغير إنه أوساط معينة في مصر بدأوا يفكروا زي الناس في أمريكا وأوروبا وشافوا إن الأنثروبولوجيا ممكن تبقى منهج مفيد لفهم الوضع الاجتماعي اللي بنعيش فيه.

كل دا خلا فيه طلب على الترجمات. ومن جانب تاني نشأ وعي أكبر شوية من وعي بعض الباحثين الأكاديميين في أوروبا وأمريكا جوهره إن أبحاثهم ومقالاتهم ممكن تهم الناس اللي في البلاد اللي بيكتبوا عنها. الوعي ده ما كانش موجود قبل كده، حتى أنا أيام ما عملت الدكتوراه ما كانش عندي فكرة إن كتابي يترجم، مع أن أول ترجمة اتنشرت ليَّ في مجلة الفصول 2002 بعنوان «ما الشعبي في المعتقدات الشعبية؟» بترجمة إبراهيم فتحي، ما كانش عندي وعي إن ده مهم. ودلوقتي الناس بدأت تتكلم في الموضوع ده، والناس عندنا في الشغل بتتكلم إن النشر بالعربي مش معترف بيه في السيرة الذاتية للباحث زي النشر بالإنجليزي. الكتب اللي نشرتها بترجمة عربية ما لهاش نفس القيمة في سيرتي الذاتية لما أقدم على شغل.

كمان انتشرت في الفترة الأخيرة حركة أكاديمية اسمها تصفية الاستعمار decolonization، الهدف منها إننا نقضي على الهيمنة الاستعمارية على العلم، أنا مش مقتنع قوي إن ده ممكن، لأني شايف إنه في نفس الوقت طول ما الحركة دي بتنتج لغة أكاديمية عالية ومفاهيم معقدة غير قابلة للفهم عند غير المتعلمين في جامعات دولية، هتبقى مجرد إعادة ترتيب لكراسي النخبة لكن مش حتقضي عليها، ده تحفظي.

لكن من جانب تاني شايف إنه مجرد الفكرة إني لما أعمل منهج curriculum لكورس عندي وما لاقيش غير باحثين من فرنسا وأمريكا وألمانيا باحسّ إن ده مش صح، مجرد وجود باحثين فكروا في الموضوع، ده في حد ذاته حاجة حلوة. كويس جدَا إننا نلاقي باحثين عرب فكروا في الفلسفة الصينية وإننا نشوف ناس من خلفيات مختلفة ممكن تكون متضادة في الفكر، فده بُعد إيجابي، وجزء منه اللي يخلي الباحث الأكاديمي الأوروبي إنه يحس إن الدايرة اللي هو فيها مش هي دي العلم، إنها دايرة من ضمن الدواير العلمية الموجودة وإني المفروض أفتح المجال شوية. علشان كده أعتقد إن حركة تصفية الاستعمار decolonization -مع تحفظاتي- أفادت وعي الباحثين الأمريكان والأوروبيين في إمكانية الاحتكاك بجمهور غير الجمهور الأكاديمي اللي الواحد عارفه، ومن جهة تانية فيه ترجمات كتير نزلت في فترة قصيرة ودي حاجة حلوة، بس أنهي ترجمات برضه؟ فيه أزمة هنا. أنا شغلي اترجم، هل شغلك أنت اترجم إنجليزي؟ يعني أهم كتابات طلال أسد تقريبا مترجمة عربي أو لسه حتبقى تحت الترجمة. دور بقى على سيد عويس ترجمة إنجليزية مش حتلاقي. الموضوع لسه ماشي في إتجاه واحد، يعني أنا حاتعلم أكتر أما أحتك بالقارئ المصري، لكن برضه لسه الموضوع ما هواش مساوي أو تبادلي.

حسين: هل المكانة الأكاديمية وفكرة إنك مجرد أوروبي وبقية الحواجز اتشالت من خلال الترجمة والحلقة؟ 

صامولي: لا ما اتشالتش. أصلا وجودي هنا واهتمام الناس إنهم يترجموا شغلي مبنية على عقدة الخواجة ببساطة، حتى استمتاعي بالحياة في مصر مبني على عقدة الخواجة. الناس لما بيسألوني إيه رأيك في مصر باقول مصر بلد حلوة بشرط إنك خواجة. أنا خدت سنين علشان أفهم إن الناس مش دايما مهذبين مع بعض، هنا الإنسان الأوروبي اللي ملامحه أوروبية زيي بيدخل هنا ويعتبر على طول في طبقة معينة، يتم التعامل معاه باحترام وفضول وأوقات بخوف، بس كل العلاقات دي فيها تقدير مش تقليل. موقف طريف حصل لي مرتين قبل وجود فيس بوك: الناس اللي كانوا حيقابلوني اتكلموا معايَ على التليفون وعرفوا إني باتكلم عربي فافتكروني إفريقي، ليه؟ علشان الأفريقي اللي لونه إسود لازم يتعلم عربي، بس الخواجة مش محتاج يتعلم عربي. إذن واحد اسمه صامولي وأجنبي بيتكلم عربي في الغالب بيكون أفريقي. 

أنا ما عرفتش أحل المشكلة دي، وباتجنب أعترف لنفسي إني باستمتع برفاهية ناس تانية ما عندهاش الرفاهية دي وتخليني أشهر وأكثر نشرا من حد تاني أذكى مني لكن مصري ومش خريج جامعة أمريكية. ده الوضع القائم والحاجة الوحيدة اللي ممكن أعملها إني أتصرف بالامتياز ده بشكل مسؤول، لكن مش حاعرف أقضي عليه. 

عقدة الخواجة دي قمة الإشكالية، فيه نظام طبقي في مصر بيعيد نفس الفكرة أنت ابن مين وخريج إيه وعلى هذا الأساس مواقفك تقدر أو لا تقدر. هنا فيه ضياع فظيع للمواهب والدماغ اللي كانت ممكن تساعدنا في فهمنا وحل مشاكلنا، لكن العالم ماشي كده. وأنا وضعي مبني على فكرة إن الباحث الأوروبي بييجي يعمل دراسة في مصر، ونادرا ما نلاقي باحثة مصرية تروح أوروبا تعمل دراسات في المجتمع الأوروبي، لما بييجوا في مؤسساتنا بنجيبهم يعملوا دراسات عن نفسهم، كمخبر محلي native informant، رغم كل الكلام عن تصفية الاستعمار decolonization، فيه بنية سلطوية غير معلنة وممكن غير مقصودة لكن بتعيد إنتاج نفسها، وعلشان كده إحنا قاعدين النهاردا وأنتوا بتعملوا حوار معايَ.

حسين: دي فكرة مناسبة نختم بيها الحوار النهاردا وشكرا على وقتك.. أتمنى إنه يبقى فيه ترجمات تانية وحلقات تانية نحاول قدر الإمكان إننا نكسّر بيها الحواجز دي على قد ما نقدر.


عن المحاورين:

سارة الراجحي فنانة وكاتبة وباحثة متعددة التخصصات مقيمة في الإسكندرية، مصر. تتفاعل مشاريعها مع المواد الأرشيفية والتواريخ المنسية لربط السرديات الشخصية بالسياقات الاجتماعية الأوسع. نشرت كتاباتها في مجلة فَمْ بيروت الجامعة الامريكية ، «أدب 360» ، «خط 30»، «مجلة أمكنة»، مركز الصورة المعاصرة ( CIC)، ونشرة «بانوراما الفيلم الأوروبي»، سينما زاوية. تشارك حاليًا في برنامج التصوير الفوتوغرافي الدولي (Through The Lens Collective (TTLC. درست الطب البيطري بجامعة الاسكندرية والعلوم الإنسانية في معهد القاهرة للفنون والعلوم الحرة بالإسكندرية (CILAS Alex).

حسين الحاج مترجم ومحرر وباحث ومدير تحرير موقع ترجمان.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *