حوار مع المترجم | رواية «ساحة التحرير»، ترجمة محمد رمضان المَلَّويّ

نتحدث مع المترجم محمد رمضان الملوي في هذا الحوار عن تجربته في ترجمة رواية “ساحة التحرير” لأندريه بلاتنيك الصادرة حديثًا عن دار المرايا للثقافة والفنون. محمد رمضان حسين المَلَّويّ، كاتب ومترجم، خريج قسم اللغة الألمانية بجامعة الأزهر، ومدرسة نماء للتنمية المستدامة. وحاصل على دراسات عليا في الإدارة الثقافية وعلوم المخطوطات، يعمل منذ 2007 كمُترجم حر، شارك بأوراق بحثية في مؤتمرات دولية للترجمة. من ترجماته: “التحدي الصيني، أثر الصعود الصيني في حياتنا”، اقتصاد سياسي؛ فولفجانج هيرن. “ملحمة الذئاب”، رواية؛ كيتي ريشايس. “نار حَيَّة، قصة حب ميلينا يسنسكا”، سيرة؛ ألويس برينتس. “الليل، عالم موازٍ”، بيرند برونر. “عصر الضبابية، سنوات الفيزياء الساطعة والمظلمة”، تاريخ علوم؛ توبياس هورتر. وقد وصلت ترجمة الأخير إلى القائمة القصيرة لجائزة سميرة موسى للترجمة العلمية عام 2025.

هل يمكنك أن تقدم لنا نبذة عن الكتاب ومؤلفه؟

رواية “ساحة التحرير” للكاتب السلوفيني أندريه بلاتنيك تنتمي إلى ذلك النوع من الأدب الذي يشتبك مع لحظات التحول التاريخي الكبرى، إذ تدور أحداثها حول المظاهرات التي شهدتها العاصمة ليوبليانا عام 1988، في سياق الاحتجاجات ضد الاعتقالات السياسية قبيل استقلال سلوفينيا. ومن هذه اللحظة الجماعية تنطلق حكاية فردية: لقاء عابر بين شاب وفتاة يتحول إلى علاقة تمتد عبر عقود، في توازٍ مع التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع.

قصة الشاب والفتاة ليست سوى جزء من فسيفساء تلك الأوقات المثيرة، حين بدا، ولو للحظة، أن كل شيء ممكن. يشهد المتابع الحساس اضطرابات عقود تضمّنت حرب الأيام العشرة، وتغيرات في النظام السياسي والمعايير الأخلاقية، بالإضافة إلى تحول مُثُل عليا إلى نقيضها. في هذه الرواية التي تتناول استقلال سلوفينيا، يستخدم أندريه بلاتنيك ملاحظات وحكايات ثاقبة ليكشف عن تعقيد الانتقال إلى زمن تنهار فيه الأحلام على أرض السوق الحرة للسلع والقيم. تتصدع الروابط الأسرية والاجتماعية تحت وطأة الضغط، ويلتقي الأشخاص أنفسهم في تصنيفات طبقيَّة جديدة، ويطرح كل وجه السؤال نفسه غير المنطوق.

الرواية إذن لا تقتصر على قصة الحب بينهما، بل تبني سردًا متعدد الطبقات يلتقط تبدّل الوعي الجمعي، وانهيار اليقينيات القديمة، والانتقال المربك من عالم اشتراكي إلى واقع رأسمالي لم تتضح ملامحه بعد. وهي في هذا المعنى ليست تأريخًا مباشرًا، بقدر ما هي تأمل أدبي في هشاشة الأحلام الكبرى حين تصطدم بالواقع، وفي قدرة التفاصيل اليومية الصغيرة على منح الحياة معناها وسط هذا الاضطراب.

أما أندريه بلاتنيك، فهو أحد أبرز الأصوات في الأدب السلوفيني المعاصر، جمع بين الكتابة الإبداعية والعمل الأكاديمي في مجالات الأدب والدراسات الثقافية. تتميز أعماله بأسلوب يمزج بين السخرية والتأمل، وباهتمام واضح بعلاقة الفرد بالتاريخ، وبالتحولات التي تصيب المجتمعات في لحظات الانتقال، وقد تُرجمت أعماله إلى عدد كبير من اللغات، ما يعكس حضوره في المشهد الأدبي العالمي.

وُلد أندريه بلاتنيك في ليوبليانا عام 1963. بعد دراسة الأدب المقارن وعلم الاجتماع الثقافي، حصل على درجة الماجستير في الأدب الأمريكي والدكتوراه في دراسات الاتصال. منذ عام 1985، عمل محررًا في إحدى دور النشر، كما عمل محاضرًا جامعيًا في مجال النشر على مدار العقدين الماضيين. ولقد نشر خمس روايات، وست مجموعات قصصية قصيرة، وخمسة كتب في الدراسات الثقافية، وكتاب عن “كتابة القصص القصيرة” 2010، الذي أُعيد طبعه مرتين ونُشر في كرواتيا ومقدونيا الشمالية. كما ترجم العديد من الكتب من الإنجليزية، بما في ذلك روايتي “الناقوس الزجاجي” لسيلفيا بلاث و”السماء الواقية” لبول بولز. وقد تُرجمت قصصه إلى أكثر من 40 لغة، ونُشرت في مجلات ومختارات أدبية، منها على سبيل المثال: “أفضل رواية أوروبية 2010″ (دار دالكي للنشر، 2010) و”مختارات دولية لخمسة قرون من القصص القصيرة” (دار بيرسي بوكس، 2014). خارج سلوفينيا، نُشر حوالي 36 كتابًا بأربع عشرة لغة. من ضمنها: “تاريخ كولومبيا الأدبي لأوروبا الشرقية منذ عام 1954” (دار نشر جامعة كولومبيا، 2008).

لماذا اخترت هذا الكتاب لترجمته؟

جاء اختياري لهذه الرواية من إحساس قوي بأن هذا النص، رغم انتمائه إلى سياق سلوفيني خاص، يلامس أسئلة قريبة جدًا من تجربتنا نحن. فكرة “الساحة” بوصفها فضاءً عامًا تتقاطع فيه السياسة مع الحياة اليومية، وتتشابك فيه المصائر الفردية مع التحولات الكبرى، بدت لي قابلة للانتقال إلى القارئ العربي دون افتعال.

ما جذبني أيضًا هو أن الرواية لا تقدم خطابًا مباشرًا عن الثورة أو التغيير، بل تشتغل على ما يحدث بعد ذلك: كيف تتآكل الأحلام، وكيف يعاد تشكيل القيم والعلاقات تحت ضغط الواقع الجديد. هذا النوع من الكتابة التأملية الرشيقة، هو ما يهمني كمترجم؛ لأنه يتيح لي ممارسة الترجمة كإعادة خلق للنص في فضاء جديد، وليس مجرد نقله من لغة إلى أخرى.

ومن ناحية شخصية، أميل إلى تلك النصوص التي تطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات، والتي تضع الإنسان في مواجهة تاريخه وتحولاته. وربما يتقاطع هذا مع قناعتي بأن الترجمة فعل ثقافي يُسهم في توسيع أفق القارئ، ويفتح أمامه إمكانات جديدة للفهم والتأويل.

ما التحديات التي واجهتها أثناء ترجمة الكتاب؟

يمكن القول إن أبرز التحديات التي واجهتني في ترجمة هذه الرواية كان ما يتعلق بالترجمة عن لغة وسيطة. فالأصل السلوفيني ليس متاحًا بسهولة، ونُدرة المترجمين عن هذه اللغة تجعل اللجوء إلى لغة وسيطة خيارًا شبه حتمي. وقد تمّت الترجمة انطلاقًا من النسخة الألمانية، لكن هذا الاختيار جاء بناءً على تفضيل واضح من المؤلف نفسه، الذي قام بمراجعة الترجمة الألمانية وأقرّها، وهو ما منحني قدرًا من الاطمئنان إلى دقة النص المنقول.

مع ذلك، تبقى الترجمة عن لغة وسيطة عملية دقيقة تتطلب يقظة مضاعفة، لأن المترجم لا يتعامل مع صوت واحد، بل مع طبقتين من التعبير، وهو ما يفرض مسؤولية إضافية في محاولة استعادة روح النص الأصلي قدر الإمكان، وعدم الاكتفاء بنقل الصياغة الظاهرة.

إلى جانب ذلك، برز تحدٍ ثقافي واضح، إذ إن الرواية مشبعة بسياقات تاريخية واجتماعية خاصة بسلوفينيا، تختلف في كثير من جوانبها عن السياق الألماني، فضلًا عن العربي. وقد لاحظت أن المترجم الألماني، وكذلك المؤلف نفسه، لجأ إلى استخدام هوامش شارحة لتوضيح بعض الإشارات والأحداث، خصوصًا في الأجزاء ذات الطابع التوثيقي.

لذلك حرصت في الترجمة العربية على اتباع النهج نفسه، فأبقيت على فكرة الهوامش الشارحة، وبالأسلوب ذاته قدر الإمكان، حتى لا يحدث أي انقطاع في تلقي النص أو اختلاف في بنيته التفسيرية. كان الهدف هو أن يظل القارئ العربي على صلة بالسياق دون أن يُثقل النص بالشرح داخل المتن، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الأمانة الشكلية والفكرية للعمل.

ومن التحديات اللافتة أيضًا البنية الصوتية للرواية، إذ تقوم على ثلاثة مستويات سردية متمايزة: صوت الراوي العليم، وصوت الحوار الداخلي للبطل (المونولوج)، وصوت الحوار الخارجي (الديالوج). وقد ميّز المؤلف بين هذه الأصوات عبر تنسيقات أسلوبية وبصرية محددة داخل النص. وكان من المهم بالنسبة لي أن أنقل هذا التمايز إلى العربية، على مستوى اللغة والشكل أيضًا، فحرصت على الحفاظ على هذه الفروق في التنسيق، بما يضمن وضوح الأصوات السردية للقارئ العربي، ويحافظ في الوقت نفسه على الإيقاع الداخلي الذي بناه المؤلف.

في المجمل، كانت التحديات هنا مزيجًا من لغوي وثقافي ومنهجي، لكنها في الوقت ذاته كانت جزءًا ممتعًا من تجربة الترجمة، لأنها دفعتني إلى التعامل مع النص على مستويات متعددة، كشبكة علاقات وسياقات وأصوات متباينة.

ما مشروعاتك القادمة في الترجمة؟

في المرحلة الحالية، يرتبط جزء كبير من اهتمامي بالترجمة بمساري الأكاديمي، إذ أعمل على أطروحة ماجستير في علوم المخطوطات، وهو ما دفعني إلى التركيز بشكل خاص على ترجمة وتحليل ونقد الدراسات الألمانية التي تناولت التراث العربي.

هذا المجال يهمني لسببين أساسيين: الأول هو القيمة العلمية الكبيرة التي قدمتها المدرسة الاستشراقية الألمانية في تحقيق النصوص ودراسة المخطوطات، حيث طورت أدوات منهجية دقيقة يمكن الإفادة منها عربيًا. أما الثاني فهو الحاجة إلى إعادة قراءة هذه الدراسات قراءة نقدية، تحلل منطلقاتها وتفكك تصوراتها، وتعيد توظيفها في سياقنا المعرفي.

لذلك يمكن القول إن مشروعاتي سوف تمتد إلى ترجمة أعمال ذات طابع بحثي ونقدي بإذن الله تعالى، في محاولة للجمع بين الترجمة كممارسة إبداعية، وأداة إنتاج معرفي. وأسعى من خلال ذلك إلى المساهمة في بناء جسر حقيقي بين التراث العربي كما هو محفوظ في مخطوطاته، وبين المناهج الحديثة التي طُبقت عليه في الدراسات الأكاديمية الغربية.

ما الذي جعلك تتجه لمهنة الترجمة؟

لم يكن توجهي إلى الترجمة قرارًا مفاجئًا بقدر ما كان امتدادًا طبيعيًا لشغفي المبكر بالقراءة والحكايات. كنت دائمًا مشدودًا إلى النصوص التي تفتح نوافذ على عوالم مختلفة، ومع الوقت بدأ يتشكل لدي وعي بأن الترجمة هي الوسيلة التي تتيح اتساع هذا التفاعل على مستوى التلقي والمشاركة أيضًا.

ما جذبني إلى الترجمة تحديدًا هو إيماني بأنها تمثل فعل ثقافي ومعرفي مركب، يضع المترجم في موقع الوسيط الذي يعيد بناء المعنى داخل سياق جديد. وربما لهذا كنت أميل دائمًا إلى النظر إلى الترجمة بوصفها نوعًا من الكتابة الموازية التي تتطلب حسًا لغويًا، ووعيًا بالسياق، وقدرة على الإنصات إلى صوت النص.

كما أن تجربتي مع القراءة، وخاصة في مجالات الأدب والتراث، جعلتني أؤمن بأن الترجمة تساهم في توسيع هذا الأفق المعرفي، عبر نقل تجارب إنسانية مختلفة إلى القارئ العربي. من هنا جاءت رغبتي في أن أكون جزءًا من هذا الفعل، عبر المشاركة في تشكيل الوعي بالنصوص وإعادة تقديمها.

يمكن القول إن الترجمة لدي بدأت كشغف، لكنها مع الوقت تحولت إلى مشروع فكري أحاول من خلاله الجمع بين الحس الأدبي والاهتمام المعرفي، وهو الأمر الذي ما زلت أعمل على تطويره في مشاريعي المختلفة.

ما التحديات التي يواجهها المترجم إلى العربية؟

تختلف التحديات التي يواجهها المترجم إلى العربية باختلاف السياقات، ولا يمكن اختزالها في جانب واحد، لأنها تمتد من اللغة نفسها إلى شروط النشر والتلقي.

على المستوى اللغوي، يواجه المترجم إشكاليات تتعلق بالفروق البنيوية بين العربية واللغات المنقول عنها، خاصة في ما يتعلق بالإيقاع والأسلوب والحمولة الثقافية للمفردات. فالمسألة لا تتعلق بإيجاد مقابل لغوي مباشر، بل بإعادة إنتاج المعنى داخل نظام لغوي مختلف، مع الحفاظ على روح النص.

أما على المستوى الثقافي، فهناك تحدي نقل سياقات قد تكون بعيدة عن خبرة القارئ العربي، وهو ما يضع المترجم أمام خيارات متعددة: هل يشرح؟ أم يترك النص يواجه القارئ بغرابته؟ أم يبحث عن معادل ثقافي؟ وكل خيار له تبعاته.

لكن إلى جانب هذه التحديات المعروفة، هناك تحديات لا تقل أهمية تتعلق بواقع النشر والتلقي. فالمترجم يعمل في بيئة تعاني من محدودية الدعم، وضعف سوق الكتاب المترجم في بعض المجالات، إضافة إلى إشكاليات حقوق الملكية والتوزيع.

كما أن تحولات الذائقة المعاصرة تلعب دورًا مهمًا، إذ نعيش في عالم تتزايد فيه هيمنة الصورة والمحتوى المرئي، وهو ما يؤثر على حضور الكتاب عمومًا، والكتاب المترجم على وجه الخصوص. هذا يفرض على المترجم أن يطرح أسئلة جديدة مثل: كيف يمكن للنص المترجم أن يظل جاذبًا؟ وكيف يمكن أن يصل إلى قارئ باتت خياراته متعددة وسريعة؟

من هنا يمكن القول إن التحديات تجمع بين المعرفة والاقتصاد والثقافة، وهو ما يجعل الترجمة إلى العربية اليوم عملًا يحتاج إلى وعي يتجاوز حدود النص إلى فهم أوسع لسياق إنتاجه وتلقيه.

هل يمكنك أن تصف لنا طريقتك في الترجمة، مثلًا كم مسودة تعمل عليها؟ وما القواميس والمراجع التي تعتمد عليها؟

في الحقيقة، لا أؤمن بوجود طريقة واحدة ثابتة تصلح لكل مشروعات الترجمة، لأن كل نص يفرض آلياته الخاصة ويفتح أمام المترجم مسارات مختلفة للتعامل معه. ومع ذلك، هناك ملامح عامة يمكن أن أقول إنها تشكل منهجي في العمل.

أبدأ دائمًا بقراءة كاملة ومتأنية للعمل قبل الشروع في ترجمته، لفهم العمل وتكوين تصور شامل عن بنيته وأصواته وسياقاته. وخلال هذه المرحلة أحرص على البحث عن النصوص التي اشتبكت مع العمل، مثل المقالات النقدية، والمراجعات، وأي دراسات أو قراءات تحليلية، لأن ذلك يساعدني على الإحاطة بالخلفية الفكرية والجمالية للنص.

بعد ذلك تأتي مرحلة الترجمة الأولى، وهي في الغالب مسودة أقرب إلى النقل الحرفى، ثم تليها مرحلة أو أكثر من المراجعة، حيث أشتغل على اللغة والأسلوب والإيقاع، وأحاول تقريب النص إلى العربية دون أن أفقده خصوصيته. وفي بعض الأعمال، خاصة تلك التي تتطلب توضيحًا سياقيًا، أضيف تعليقات أو هوامش، وأكتب تقديمًا إذا استدعى الأمر ذلك.

أما فيما يتعلق بالمراجع، فأنا أميل إلى الاعتماد على المعاجم المتخصصة داخل اللغة نفسها، لأنها تمنحني فهمًا أدق لدلالات الكلمات في سياقها الأصلي. فعلى سبيل المثال، أرجع إلى قواميس ألمانية-ألمانية مثل معاجم “DUDEN”، بدل الاكتفاء بالقواميس الثنائية. وفي العربية، أستفيد من المعاجم التراثية الكبرى مثل “تاج العروس” للإمام المرتضى الزبيدي، إلى جانب غيره من المعاجم التي تساعد على اختيار اللفظ الأنسب من حيث الدقة والجرس، لمحاولة الوصول إلى نص عربي حيّ يحافظ على روح الأصل.



Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *