حوار مع المترجمة | «الماضي المجهول» لحنان حماد، ترجمة بسمة ناجي

نتحدث مع المترجمة بسمة ناجي في هذا الحوار عن تجربتها في ترجمة كتاب “الماضي المجهول: ليلى مراد نجمة مصر اليهودية المسلمة” الصادر عن دار الكتب خان في 2025، بسمة ناجي هي كاتبة ومترجمة مصرية، تعمل في مجالات الأدب والثقافة. صدر لها عدة ترجمات عن الانجليزية تتضمن كتب فكرية وأدبية لدور نشر عربية ومصرية، مثل “السيدة دالواي” لفرجينيا وولف عن بيت الياسمين 2019 و”ارفع المزيد من الرايات” لإيفيلين وو عن دار يسطرون 2025. كما نشرت مجموعة قصصية بعنوان “أرشيف ريبليكا”، ورواية بعنوان “من سيرة ذئبٍ عابر” عن دار الكتب خان.

  1. هل يمكنك أن تقدمي لنا نبذة عن الكتاب ومؤلفته؟

كتاب الماضي المجهول هو كتاب للباحثة والمؤرخة د. حنان حمَّاد يتناول جانب من التاريخ الاجتماعي المصري من خلال دراسة وتحليل رحلة النجمة ليلى مراد بين الصعود الصاروخي والانكسار المفاجئ انطلاقًا من موقعها كامرأة وفنانة ويهودية ثم مُسلمة. من هذه العدسة، يتناول الكتاب التحولات الاجتماعية والثقافية التي طالت المجتمع المصري بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن العشرين بشكل أساسي ويربط الشخصي في مسيرة ليلى مراد، كواحدة من أشهر أيقونات الغناء والسينما العربية، بالعام والسياسي مع تطورات أنظمة الحكم في مصر بين ملكي ليبرالي واشتراكي قومي ثم رأسمالي انفتاحي يميل للأسلمة.

كما يتناول الكتاب أدوار المخرجين والمنتجين والصحافة في تشكيل صورة ليلى مُراد كنجمة، ويحلل علاقتها بالضباط الأحرار كنموذج لتقاطُع السلطة بالذكورية والشهرة. كما يقدم مقارنة بين قوة ليلى مُراد الفعليَّة كامرأة ونجمة وسيدة أعمال واستقلالها المالي والفني، وبين شخصيتها السينمائية المعتادة كفتاة خانعة ومتطهّرة، تخضع خياراتها لسلطة الذكور.

تستند د. حنان حمَّاد في كتابها إلى فرضية أن الثقافة الجماهيرية ليست ترفيه محايد، بل أداة لصياغة الوعي الجمعي وإعادة إنتاج الهياكل الجندرية والاجتماعية الهرمية، وتمزج بين التأريخ الاجتماعي والتحليل الثقافي، لتقدّم قراءة تاريخية وسياسية للسينما والموسيقى في مصر عبر ستة فصول تحمل عناوين مستوحاة من أفلام ليلى مُراد. فالكاتبة لا تُقدم سيرة لليلى مراد كقصة حياة نجمة من نجمات الغناء والسينما المصرية والعربية، بل كنص جماعي كتبته السينما، والإذاعة، والصحافة، والجمهور، كلٌ بطريقته، وتحفر في هذا النص المتشعّب لتفكِّك كيف صاغ المصريون، عبر جسد ليلى وصوتها، تصورهم عن الهوية المصرية، العربية المسلمة بالضرورة.

ومؤلفة الكتاب هي المؤرخة والباحثة د. حنان حماد، أستاذة التاريخ الحديث بجامعة تكساس، ومتخصصة في التاريخ الاجتماعي والثقافي لمصر والعالم العربي. عملت بالصحافة في مصر لعدة سنوات بعد تخرجها في كلية الإعلام بجامعة القاهرة وقبل انتقالها للولايات المتحدة. صدر لها عدة كتب ودراسات حول الجندر والجنسانية والثقافة الشعبية، وفازت بجائزتين أمريكيتين عن كتابها “الجنسانية الصناعية.. النوع والتحضر والتحولات الاجتماعية فى مصر”، الأولى هي جائزة “الكتاب العربي الأمريكي”، والثانية هي “جائزة المنظمة القومية لدراسات المرأة”.

  1. لماذا اخترتِ هذا الكتاب لترجمته؟

لم أختر الكتاب، بل عرضته عليَّ الناشرة كرم يوسف وتحمستُ للعمل عليه فورًا. كنت قد قرأت عن الكتاب قبلها واطلعت على بعض أجزاء منه عبر الانترنت. أثار فضولي بالطبع شخصية ليلى مُراد وما يمكن أن يضيفه الكتاب بعد كل ما كُتِب عنها، والسؤال الذي طرحته د. حنان في مقدمة الكتاب: لماذا ليلى مُراد؟ وانطلاقها منه كسؤال مركزي توضِّح من خلاله أنّ اختيارها لم يكن بدافع الحنين بقدر اعتقادها بأن سيرة ليلى مُراد تُجسِّد الكيفية التي صاغ بها المصريون هويتهم المعاصرة عبر الثقافة الشعبية. جذبتني المنهجية التي استخدمتها د. حنان في التعامل مع الأرشيف الصحفي والفني كمصدر لدراسة التاريخ الاجتماعي من عدسة تقاطعية تتناول تأثيرات النوع والطبقة والدين على حيوات النساء المصريات، والتحديات التي واجهتها المؤسِسَات في الأوساط الفنية التي سيطر عليها المخرجين والمنتجين والفنانين الذكور وكيف يعكس هذا جزء من صورة أوسع من ممارسات الهيمنة والسلطة الذكورية للمجتمع على أفراده.

  1. ما التحديات التي واجهتها أثناء ترجمة الكتاب؟

كان التحدي الأول لي كقارئة بالأساس هو تحييد موقفي الشخصي من ليلى مراد كرمز سنيمائي وفني للأنوثة الخاضعة، وتفهُم خياراتها في سياقها الزماني والاجتماعي. فالكتاب يقدم صورة مختلفة ومُدهشة لليلى كامرأة عاملة ومستقلة، قدر ما أتاح لها زمنها من استقلال، وسيدة أعمال، ومفاوِضة بارعة، وأم وامرأة عاشت تجربة إنسانية بين صعود وهبوط وانكسارات وحب وخذلان. وعززت رحلة البحث المصاحبة للكتاب خطوة التخلي عن الصورة الذهنية لديّ عن ليلى مراد لفهم طبقات النص وهي خطوة أساسية لترجمته قبل ترجمة اللغة. وكانت رحلة البحث أحد التحديات أيضًا، لحرصي على رد الاقتباسات العربية لأصولها واعتماد د. حنان على أرشيف صحفي وفني ضخم ومتشعب، ما جعلني أستمع إلى حوارات إذاعية طويلة وأبحث في أرشيفات صحفية لاستخراج جملة أو تصريح كما وردت على لسان ليلى مُراد أو آخرين. ومن أهم التحديات أيضًا كان تحدي اللغة. فالكتاب، وإن كان كتاب بحثي فِكري، مُقدم لجمهور عام في المقام الأول ولابُد من إخراجه لغويًا في صياغات أقرب للجمهور العام. وساعدني في ذلك وضوح اللغة في الأصل الإنجليزي والنقاشات مع د. حنان للوصول إلى أقرب الصياغات للمعنى وأوضحها.

  1. ما مشروعاتك القادمة في الترجمة؟

أنهيت العمل على رواية من الأدب الكندي المعاصر وبدأت العمل على مشروعين في التاريخ الاجتماعي المصري أيضًا، أحدهما عن المخرج والمنتج توجو مزراحي.

  1. ما الذي جعلك تتجهين لمهنة الترجمة؟

الفضول. فأنا درستُ بكلية الصيدلة ولم أختبر دراسة الترجمة بشكل أكاديمي سوى مؤخرًا ضمن برنامج ماجستير الأنثروبولوجيا الذي أدرسه بجامعة القاهرة. لكن دفعتني بعض الاهتمامات الأدبية والثقافية نحو القراءة باللغة الانجليزية في وقت ما وتشابكت هذه القراءات مع رغبة في تجريب إعادة إنتاج ما أقرأ باللغة العربية، كأحد أشكال علاقتي باللغة كقارئة وكاتبة بالأساس. ومن هنا ظهرت الترجمة كمساحة للعب مع اللغة وأحد مسالك رحلتي المعرفية الشخصية ثم تحولت إلى ممارسة دورية وعمل يضيف لي الكثير ككاتبة ومحررة ، لكن لم يغِب عنها الفضول وحب التجريب.

  1. ما التحديات التي تواجهها المترجمات إلى العربية؟

ربما لا تكون الإجابة عن المترجمات العربيات ككتلة واحدة إجابة دقيقة. لكن شخصيًا، ورغم ما يفصلنا عن تجربة ليلى مراد من زمن طويل، كامرأة مصرية وأم وفنانة مستقلة تحاول خلق مكان لها في المجال العام لتقديم منتجها الفني، قد لا أكون مبالِغة إن قلت أن التحديات التي تواجهني اليوم لا تبتعد كثيرًا عن بعض التحديات التي واجهت ليلى مُراد. فخلق مكان في مجال عام له تحيزاته وتعريفاته وتقسيماته التي يمكن وصفها بكل أريحية بالطبقية أمر صعب ومرهِق ويستنزف الكثير من طاقة يُفترض توجيهها للعمل والإنتاج والتعلُّم والتطوير بالأساس. ومع تغيُرات معايير الجودة وموجات الثقافة الموجِهة والموَجهة تبرز تحديات متعلقة بالاختيارات الشخصية للمترجم من مشاريع يقترحها للترجمة ضمن مشروعه الخاص ومدى توافقها مع اختيارات دور النشر وتوجهاتها وما تمارسه بعضها من سُلطة وتدخلات في عملية إنتاج النصوص بالعربية أحيانًا ويزداد ترسيخ هذه الممارسات والتطبيع معها في ظل التوجُه العام وقلة البدائل المتاحة. وبالطبع التحديات المتعلقة بالضمانات المالية لحقوق المترجمين ومستحقاتهم.

  1. هل يمكنك أن تصفي لنا طريقتك في الترجمة، مثلًا كم مسودة تعملين عليها؟ وما القواميس والمراجع التي تعتمدين عليها؟”

تختلف طريقة العمل من نص لنص، لكن أعمل على أكثر من مسودة في الغالب. في المسودة الأولى أعتمد على قواميس إنجليزية إلكترونية مثل ميريام ويبستر وأوكسفورد وغيرها لتفكيك التعبيرات التي لم أتعرف عليها في القراءة الأولى وفهمها والوصول إلى أقرب معانٍ لها باللغة العربية بنفسي أو بالبحث في المعاجم العربية المتاحة مع قراءة المراجع المتعلقة بالنص في حالة وجود إحالات أو موضوعات اعتمدت عليها الكاتبة أو الكاتب. بعدها ومع القراءة الثانية للنص، تأتي مرحلة الخيارات اللغوية العربية والمفاضلة بينها واتخاذ القرار بأيها أقرب لما يريد أن يخبرنا به النص وأسلوب الكاتبة أو الكاتب مع الرجوع للنص الانجليزي أحيانًا وإعادة قراءة الأجزاء غير المحسومة. في المرحلة الأخيرة، أتعامل مع النص العربي وحده بالتحرير وإعادة القراءة والتأكد، قدر الإمكان، من اتساقه كوحدة واحدة قبل تقديمه للنشر.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *