حوار مع المترجم | «وَلِيُّ النِّعَم» لخالد فهمي، ترجمة وتحرير: محمد هُوجْلا-كَلْفَتْ

نتحدث مع المترجم محمد هُوجْلا-كَلْفَت في هذا الحوار عن تجربته في ترجمة كتاب «ولي النعم: محمد علي باشا وعالمه» الصادر عن دار الشروق في 2025، محمد هُوجْلا-كَلْفَت كاتب وسينمائي ومحرر أدبي مصري يعمل حاليا على مشروع بعنوان «السينما المصرية وأشباح الشيوعية» بزمالة بحثية وقيِّمية مع شبكة الشاشات العربية البديلة (ناس)، وكتاب، «تغطية العري»، بمنحة كتابة إبداعية ونقدية من الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق).

هل يمكنك أن تقدم لنا نبذة عن الكتاب ومؤلفه؟ 

خالد فهمي مؤرخ لمصر الحديثة، برز بكتابه الأول «كل رجال الباشا» (1997) عن تأسيس الجيش، وتكفلت الطبعة العربية -التي أنجزها مؤرخ ناقد للناصرية ومناهض لمبارك، وهو شريف يونس- بوضع فهمي على خريطة القراء الجادين في مصر والعالم الناطق بالعربية، كواحد من أبرز مؤرخينا الجدد، الذين ولجوا الأرشيف بقوة وصرامة واعتمدوا التاريخ الاجتماعي ولو لم يكونوا ماركسيين. المادية التاريخية عند هؤلاء تقابلها عند مؤرخين كفهمي مادية الأرشيف ومقاربات أكاديمية ما بعد حداثية لتحليل سلطة الدولة ومقاومتها وتفاعلاتها. وهو يُعنى بالعوامل المادية المباشرة وإعادة تقييم المصادر محاولا تجنب المزالق المثالية والغائية والثنائية عند بحث تطورنا التاريخي من ناحية الحُكْم الحديث وتأثيره على المجتمع المصري. في 2011 على الأخص نشط فهمي سياسيا، وأصبح من الصعب الفصل بين فهمي المفكر والأكاديمي وبين الناشط السياسي، وقد رأس لجنة توثيق الثورة قصيرة العمر. وهو في المنفى منذ 2014 ومستمر في التأثير معرفيا وإعلاميا منه. يحرص فهمي على التواصل مع جماهير مصرية أوسع من دوائر المتخصصين والنشطاء سواء بشغله على القرن 19 أم الفترة الناصرية (لاحقا) أم مصر المعاصرة، وقد كتب مثلا مقالا (دافع هو عنه قائلا إنه لا يتقيد بضوابط أكاديمية وإنما يتأمل ويعيد تخيل تاريخنا) يضع 2011 على قوس واسع من الثورات الشعبية يمتد لقرنين ونيف، وهو شيء شبيه من بعض النواحي بما طوره لاحقا الكاتبان الماركسيان محمود حسين في كتابهما «صحوة المحكومين في مصر الحديثة: من رعايا إلى مواطنين (1789-2011)».

ثم جُمعت مقالات له في كتاب «الجسد والحداثة» (صدر عام 2012، ولم يظهر ككتاب إلا بالعربية، بترجمة يونس أيضا)، ويمكننا اعتباره بذرة كتاب «السعي للعدالة» -المنافس لاحقا في الأهمية لـ«كل رجال الباشا»- بترجمة الأديب والمترجم بالأمم المتحدة، حسام فخر، ومصورا بلوحات للمؤرخة ريم نجيب، الذي يدرس فيه فهمي تحديث الدولة والمجتمع في مصر القرن 19 بشكل أشمل من خلال ثلاثية الطب والقانون والفقه.

أما «ولي النعم: محمد علي باشا وعالَمه» فهو من ناحية الثاني بعد «رجال الباشا» (بطبعتيه)، إذ يسبق أصله الإنجليزي (2008-2009) مباشرة «الجسد والحداثة»، ومن ناحية هو الأخير، أي الرابع. في 2011 ترجمت الكتاب الأصلي وكان سينشر كترجمة ليس إلا ودون زيادة اللهم إلا مقدمة للطبعة العربية مثلا، واقترحت على خالد لاحقا إضافة فصل عبارة عن إعادة نشر مقال عن جيش محمد علي، يلخص تقريبا «رجال الباشا»، نشر ضمن كتاب صدر في المئوية الثانية لحكم محمد علي (2005). كان الاقتراح استجابة لتفكير خالد، بعد إنجاز مسودة عربية ثانية، في 2013-2014، في توسيع الطبعة العربية مقارنة بالأصل. لكن الفكرة -التي لم أستوعبها في البداية- أصبحت بَسْط مادة الكتاب نفسها، أي من داخل ثناياها، وتم ذلك بعد 10 سنوات كاملة! بداية النص ونهايته هي هي تقريبا، وقد أضفنا فهرسا كشافا (الأمر النادر في النشر عندنا حاليا) أكثر تفصيلا بالطبع مما في الأصل. وهناك أيضا إحالات إلى مصادر جديدة بعضها يعود مثلا إلى 2007 و2011 بل و2022، أي لم يكن فهمي قد اطلع عليها أو تمكن من الاستفادة منها وقت صدور الأصل. وبعضها يتوسع في الرجوع إلى الأرشيفات الرسمية التركية والعربية والإنجليزية والكتابات المصرية المبكرة واللاحقة (للمقارنة، في الطبعة العربية من «السعي للعدالة» قسم واحد من أحد الفصول ليس في الأصل الإنجليزي، وهو قسم عن التطعيم).

صدر أصل «ولي النعم» (في نصف حجم الطبعة العربية) في سلسلة تستهدف القارئ الغربي العام، وتقدم سيرا موجزة لأعلام من التاريخ الإسلامي والعربي، لساسة وأدباء ومفكرين دينيين وغيرهم، يتفاوت حظهم من الشهرة والتأثير. وكما شرح فهمي، في ندوة السيداج مؤخرا، كانت هذه مهمة أهله لها كتابه الأول، الذي، بوعي واختيار، لم يواجه الباشا مباشرة. وبعد كل هذه السنوات، كانت الطبعة العربية المزيدة والمنقحة فرصة ليستخدم فهمي هذه المادة والأفكار والتجارب الجديدة في صياغة سردية أشمل عن محمد علي، دون تغيير جوهري في تقييمه له أو للأدبيات التي تناولت حكمه وتركته، وإنما بتفصيل أشد، ترسم صورة مركبة أكثر اكتمالا للباشا نفسيا واجتماعيا وسياسيا، تضعها في تقديري ضمن أجمل كتب السيرة العربية لشخصيات من تاريخنا؛ سيرة تؤنسن محمد علي دون شيطنة أو تقديس، ودون شخصنة كذلك إذ تدرس العوامل الخاصة تماما به كفرد يتفاعل مع السياق. قلما نجد في خضم كل ما كتب عن الرجل، وهو بالغ الكثرة، سيرة معقولة، وينطبق ذلك أيضا على عبد الناصر، كما لاحظ فهمي نفسه في بعض اللقاءات. وهي لمزيد من الدقة دراسة سِيْرية.

مقدمة المؤلف قصيرة على عكس مقدماته السابقة (بما في ذلك مجموعة المقالات، بل وكتاب جماعي حرره فهمي وأسهم فيه عن حرب أكتوبر في خمسينيتها)، وبالتالي فمنهجية العمل تحتاج إلى استشفاف القارئ لها انطلاقا من إشاراته وشغله السابق ومن الكتاب نفسه. الفارق هنا بالطبع أن هذه سيرة حاكم، ما يفرض سؤال إمكانية التأريخ من أسفل لأشخاص ومؤسسات تحكم و”تكتب” الواقع والتاريخ من أعلى، لكن فهمي كما عودنا منذ «رجال الباشا» يمشط الأرشيف في الاتجاه المعاكس كما يقول بنيامين (بتصرف). استجواب فهمي للأرشيف يغير الكثير مما استقر من معرفتنا بتاريخ الرجل ومقاصده وانتماءاته، وبالتالي يحطم أساطير وطنية وإسلامية ولا-تاريخية، وكذلك تقاليد اعتذارية عند المؤرخين أنفسهم، تؤكد على العبقرية الفذة والضمير المثالي النقي (وفي أفضل الأحوال “ما له وما عليه”، أو “مجده وأخطائه” كما في الطبعة الناصرية)، وعلى صورة “ولي النعم” التي تصل إلى تصويره كمن أراد ونجح إلى حد كبير في تحديثنا وتقوية وضعنا كشعب ودولة رغم أنوفنا ودون علمنا!

أقترح قراءة الكتاب بعد قراءة الفصل الخاص بمحمد علي باشا في «أمام العرش» لنجيب محفوظ -موجز تاريخ حكام مصر في شكل رواية ذات طابع مسرحي- لنرى مدى اختلاف سردية فهمي التي، للمفارقة، تنصف محمد علي أكثر، وتحاكم الرجل من واقع أوراق القضية الرئيسية وشهادات الشهود، إن جاز التعبير.

لماذا اخترت هذا الكتاب لترجمته؟ 

حين سئل خالد في ندوة السيداج عن سبب ترجمته (بالمعنى القديم للكلمة) لمحمد علي، ولو بسيرة نقدية، رغم مشروعه المضاد، قال إن الإجابة المبدئية عملية: اُستُكتب من قِبل محرر السلسلة المذكورة فقَبِل. في حالتي: فاتحني خالد عن طريق دار الشروق مقترحا اسمي، ولم يكن لي سابق معرفة شخصية به، ولا أعلم حتى الآن ما دعاه إلى ذلك! كان بيننا صديقان مشتركان من مجتمع التدوين المصري لعلهما تحمسا لي وزكياني. كنت في بداياتي كمترجم وصدر لي كتاب واحد، في المشروع القومي للترجمة (دراسة للترجمة الأدبية). وقد علما بأنني كنت أشتغل على ترجمة كتابين متعلقين بمجال خالد، بالمعنى الأوسع. فأحدهما تاريخ من أسفل للعالم (لكرِسْ هارْمَن)، والثاني عن مصر في الثلث الأول من القرن 19 (لإدوارد وِليَم لِاين). في «ولي النعم»، بالمناسبة، لا يعود فهمي إلى لِاين في أي موضع على خلاف مستشرقين ورحالة يتكرر ظهورهم، لكني أشير في مقدمتي إلى واقعة مثيرة عن لِاين متعلقة بمحمد علي. كان لِاين وهارمَن مشروعي ترجمة باختياري ومبادرتي، تعثرا مع المشروع القومي، فأسند الثاني إلى المرحوم طلعت الشايب. ترجمتاي غير منشورتين.

كنت قد توقفت عن العمل منذ قيام الثورة، ثم تكفلت الثورة نفسها بإقامة حاجز منيع بيني وبين كتاب لِاين فصرت مهتما حصرا بأعمال تستجيب للحظة التاريخية، موجهة إلى رقعة أوسع من قراء مصريين وناطقين بالعربية. التأمل النقدي في سيرة محمد علي كان عملا أكثر إلحاحا بشكل واضح، على الأخص متصلا بشغل فهمي السابق. وكان التعاون المرتقب معه، عن كثب، عاملا جذابا، مقابل مؤلفيْن متوفيْن لم يلم إلا واحد منهما بالعربية: المكانة الاعتبارية -والخبرة- المكتسبة (باعتبار ما سيكون) من ترجمة فهمي، مقابل المكتسبة من ترجمة مستشرق شهير، بعمل أساسي وشبه مجهول في آن (ظل مخطوطة لقرنين إلا الربع تقريبا، حتى نشرته الجامعة الأمريكية في 2000، بالعنوان الذي أراده له مؤلفه متحديا المشروع الفرنسي ذائع الصيت وبالغ التأثير: Description of Egypt). التفرغ للِاين كانت ترجحه عوامل مالية تتمثل في أجر وحقوق أشد إغراء بكثير (وإن كانت العملية الحسابية تشمل عدد الكلمات كذلك، الأضخم بما لا يقاس). رجح هذا بسرعة كتاب فهمي: الإلحاح السياسي باختصار، حين كانت العودة إلى إنجاز المستشرق الكبير –في 579 صفحة من القطع المتوسط– ترفا فكريا لا يُحتمل. وتمثل عامل سياسي آخر في أن الدولة –أي جهاز ثقافتها– لم تكن هي فقط التي تجمدت لوهلة وارتبكت؛ كذلك علاقة المثقف (الشاب) بها —وبين المثقفين والسلطة في مصر الحديثة رباط مقدس، منذ محمد علي نفسه!

وبأثر رجعي، يحمد لهذا الاختيار أنه كان لمشروع تعقد وتشعب وأجبرني على مواجهة القرن 19 ربما بأكثر مما كان سيفعله لِاين. ناهيك عن التجربة اللغوية، وهي في حالة لِاين كانت تمثل معضلة لم تُحل تماما (لا مجال هنا لشرحها)، وقد أنقذني منها خالد فهمي ومحمد علي!

ما التحديات التي واجهتها أثناء ترجمة الكتاب؟

أنجزت الترجمة الأولى في وقت قياسي على الأخص نظرا للظروف (ظروف المترجم وبلده آنذاك)؛ سلمتها للدار بعد 3 أشهر في نهاية 2011. كانت السرعة أيضا مطلوبة لجعل أجر الترجمة أكثر جدوى (عوضني المؤلف بتمويل محترم للمراحل اللاحقة. وفي الحقيقة لم أعد الآن منفتحا على ترجمة الكتب بالشروط التعاقدية السائدة، ومن ثم لا أبحث فقط عن عناوين توافق اهتمامي العام أو الحالي وإنما أيضا شروط عمل وإنتاج معقولة).

لكن تعارض السرعة مع الجودة متوقع، وهنا ظهر أيضا التحدي الثاني والأساسي: كانت الجودة بالنسبة إلى المؤلف -وهذا نادر- تعني التحرر من تقييدات النص وسطوة لغته الأصلية ومن المؤلف معا. لم يكن هذا واضحا من البداية، وقد انتبهت مع الوقت إلى أن معيار جعل النص في سياق عملية الترجمة عربيا وكأنه كُتِب بها (قدر الإمكان) ليس معطى مسلما به أو متفقا عليه. وقد رُفضت لي مثلا عينة ترجمة لكتاب آخر لاحقا لأنها كانت عربية أكثر من اللازم —وإن كانت الدار قد تحدثت عما يمكن أن نفهم منه التصرف أكثر من اللازم. ويبدو أن خالد “أفسد” علاقتي بالترجمة مرتين: الأولى عندما أجبرني عرضه على مواجهة الخيار بين إلحاحات مختلفة ولو بترجيح أبسط كتبه، والثانية تكريس هذا المعيار.

وعندما أصبح دوري كذلك هو التحرير الأدبي جاء التحدي الثالث، فبعد أن كنت قد توسعت في “التصرف” بتشجيعه، لجعل النص أقرب وأقرب إلى العربية وتقاليدها وقرائها، توسعت في ذلك أكثر بمراحل، ليشمل إعادة الصياغة والترتيب والاقتراح والتدقيق (ولا أعني هنا اللغوي بالطبع فهذا في النهاية مسؤولية الدار)، وذلك بعد أن وصلتني النسخة المزيدة، إذْ أضاف خالد إلى النص المترجم، بالعربية مباشرة. كان هذا التوسع حلا لمشكلة التفاوت بين النصين المتداخلين -واحد ناتج عن كتابته بالإنجليزية المترجمة على يدي إلى العربية، والآخر عن كتابته مباشرة استطرادا وتعديلا- ومشكلة التكرار غير الضروري، أو التناقض في حالات متفرقة، ولكن بالطبع مقيدا نفسي بقيد الضرورة ومستفيدا من أن خالد بالطبع يكتب بدقة وانضباط وطلاوة، إن بالإنجليزية أم بالعربية (لذا فأهمية المحرر الأدبي التي تتأتى عند سماح إدريس من ثرثرة المؤلفين العرب المعاصرين لم تكن ذات صلة في حالتنا). حاولت قدر المستطاع أن أدفع نصه الكامل الهجين ليس فقط نحو الاتساق وإنما أيضا نحو معيار إخفاء أثر الترجمة، مرة لأن هذا تفضيله الذي اتضح مع الوقت بالتجربة، ومرة لأنه كان الآن أيضا مؤلفا بالعربية.

لو شئنا التحديد والتفصيل، كانت تحديات ترجمة عمل كهذا (وتحريره) هي:

  1. خلق نص ينسجم مع أدبيات الفترة المعنية، أي العائدة إلى زمنها وأيضا اللاحقة التي تتناولها، ولكن يفارقها عند اللزوم. بدأ ذلك يتضح عندما أصر خالد على “الدولة” بدلا من “الإمبراطورية” العثمانية، وكانت الثانية مشاغبة نصف واعية مني، ربما أثر علي فيها نقاش طازج مع زميلة حول ترجمتها “saint” إلى “قديس” بدلا من “ولي” لدواعي ما يمكنني تسميته الإغراب ذا الهدف السياسي، وهو في حالتها يهدف إلى نزع الخصوصية الثقافية عن المسلمين (في الكتاب الذي أترجمه حاليا بالمناسبة، وهو أيضا عن عالَم عثماني، هناك اعتبارات مختلفة تحكم الاختيار والتنقل بين “الدولة” و”الإمبراطورية”). لاحقا حرصت مثلا على استخدام عبارة “مقدمات الصلح”، بدلا من كلمات عامة، وهي قادمة في الأغلب بتأثير لغة فرنسا، الطرف الآخر في مفاوضات مطلع القرن 19. وقد أخذ كاتب إحدى المراجعات على فهمي وصف الأوضاع آنذاك بـ”المستنقع المصري” بدلا من “عصر الفوضى”، وهو مصطلح متواتر في الأدبيات وفقا للكاتب، لكن هذا يجعلنا نفكر في المضمون الفكري والسياسي للتوافق مع لغة الأدبيات من عدمه. ونقول “جلب العبيد” مثلا لكننا أحيانا نقول “المستعبدين” أو “المسترقين” لأن العبيد أو جلب العبيد، لو لم تكن على لسان الجلابة أنفسهم، تنطوي على مخاطرة استعمال لغة تطبيعية (توحي بأن السود خلقوا ليكونوا عبيدا، وكأن جلبهم مثل استخراج لمورد طبيعي كالنفط مثلا!) في موضع آخر استسغت أن نقول “نقالة”، كما قيل وقتها وخالد هو من دلني، بدلا من “حاملة جنود”، كما نقول اليوم. وأحيانا نستخدم لغة حديثة بشكل مفارق زمنيا مثل “إقامة جبرية” لكننا نضيف من الجبرتي “لزوم داره”، ويمتد هذا الشاغل إلى كل عنقود الكلمات “ثورة” و”انتفاضة” و”هبة” وهلم جرا جنبا إلى جنب مع “فتنة” و”عصيان”، فمظاهرة 1804 مثلا (“قيام العامة” عند الجبرتي) هي كذلك بكل المعاني الحديثة جدا المألوفة لنا (و”ثورة الصعيد الكبرى”، كما يقترح فهمي، اسم لنقطة جديدة على خطنا الزمني أو تحقيبنا لتاريخنا). اجتهدت أحيانا للتفريق، بين مراحل حكم محمد علي مثلا، بأن أقول هنا “تثبيت أركان” وهناك “توطيد أركان”، وإن ليس بشكل ناجح أو مقنع تماما كما ترون. مثال أخير، افتتح علاقتي الامتلاكية مع النص، وهو “أفندي”. قد يقول قائل، ومعه حق، إن طبقة الأفنديات لم تكن قد نشأت بعد، لكن وصف محمد علي لنفسه بأنه لم يكن يريد أن يكون “أفنديا” (بدلا من أن يقول “سيدًا عثمانيا” أو “جنتلمانًا” كما في المسودة الأولى) أشد حيوية.
  2. ينسحب التحدي السابق على أعمال المؤلف السابقة، وكانت حينها لا تشمل «السعي للعدالة» الذي قرأته باللغتين قُبيل مرحلة التحرير. على مدار الشغل، وضمن تحقيق الألفة بيني وبين عالم الكتاب والمؤلف، قرأت كل ما كتبه فهمي من كتب، والكثير من المقالات، باللغتين، ناهيك بالاستماع إلى مقابلاته (وإن لم يكن ذلك هو الغرض الأساسي، ففهمي صوت على رأس قائمة متابعاتي). هنا أيضا اهتممت بإنتاج نص يتسق مع شغله السابق. أحيانا فقط تصرفت بشكل طفيف في إيراد الترجمات الأرشيفية المقتبسة من قبل، أي التي ترجمها مترجما فهمي السابقان أو ترجمها هو لتعذر الوصول إلى ترجمة رسمية أرشيفية، كما التزمت بقاموس فهمي والدولة ولكن أحيانا بنوع من الإضافة أو التنويع تحت ضرورة معينة: مثلا “هج” مع الإبقاء على “تسحُّب” (“جفول” عند الجبرتي)، واهتممت باستخدام “أنفار” (اقتراح فهمي كمقابل لمصطلح غرامشي، “subaltern”، بدلا من “التابعين” أو “المستتبعين”) —وفهمي أيضا بالمناسبة هو من أدخل مصطلحا لم يرد هنا: “دفترة” الواقع.
  3. الموازنة بين الرغبة في جعل النص ناطقا بالعربية وبين الاستفادة من دقة الإنجليزية المعاصرة وطابعها الأكاديمي، مقابل سيولة العربية، زمنيا مثلا، وبلاغيتها الزائدة أحيانا؛ هذا أيضا هو الجهد المطلوب منا دائما باستمرار لتطوير العربية مع الحفاظ عليها في الوقت نفسه. ولكن هذا أمر محفوف بالمخاطر وسوء الفهم وعدم الاتفاق. مثلا يرى كاتب مراجعة أن لغة الكتاب “كلاسيكية” مفضلا لغة «رجال الباشا» “الحديثة”. يدفعني ذلك إلى التفكير فيما إذا كان ما يسمى “اللغة الترجمِية” أو الأجنبَة أصبح مقرونا بالحداثة والعكس صحيح؛ في أن الترجمة إلى عربية “قحة” تُنتج بشكل تلقائي إحساسا بلغة تراثية أو إسلامية، أي دينية، أو ارتياب في قومية عربية. عموما، وكما أدفع في مقدمتي في سبيل ما أسميه “حق العودة”، فنحن لسنا أمام ڤرجيل درايدن هنا وإنما أمام كاتب كان يُفترض في ظروف أخرى أن تكون كتبه أصلا بالعربية.
  4. مقابل الهجنة التي أردنا التخلص منها كما أسلفت، أردنا هجنة أخرى جديدة، وهذا هو تحدي التنويع النصي، المثير فيما يدعو إليه من تأمل تطور وتنوع اللغة العربية، ويشمل التوسع في الاختيارات “العامية”، بالذات من خلال مفردات لها صدى عامي لا لبس فيه رغم ورودها في المعاجم، مثل “عزوة” و”عصبجية”، وتمييز مقتبسات الرحالة أسلوبيا -وفي هذا شيء من التعويض عن خيبتي المؤقتة مع لِاين- بل والتأكيد على التنوع اللغوي خارج العربية في منطقتنا، كما في هامش “المَكْ” نمر، وهي كلمة قد تكون جعلية أو مروية لا ذات أصل عربي كما يسهل الظن.
  5. طول زمن العمل على الكتاب ومن ثم ميزة وعيب: الميزة تجدد النظرة لما سبق عمله وأخذ مسافة تسمح بالتحسين –وهذا بدوره قد يطيل الوقت أكثر؛ العيب هو الانفصال عن المشروع والحاجة إلى تجديد التواصل معه. وفي المراحل الأخيرة المكثفة بالذات احتجت إلى شطف عيني أكثر من مرة لأنتبه إلى مشاكل خبيثة توارت في زحمة التفاصيل وتكرار القراءة، بشكل آلي أحيانا، والألفة الزائدة مع النص. لاحظت مثلا في موضع بعينه تأثرا زائدا بلغة الجبرتي بحيث ضبطت نفسي أستخدم مصطلحاته، فأقول “كسرة” اليونان بدلا من “هزيمة” اليونان! فتحدي الهجنة يعني أيضا تحدي وضع حدود فاصلة داخلها.
  6. عندما تجاوزت حدود دوري كمترجم، أيا تكن درجة امتلاكي للنص، وأيضا في ضوء كرم ضيافة، بل شراكة، خالد، اتسعت الحدود جدا بحيث دفعتني كذلك غيرتي على النص بعد طول العشرة إلى مراجعات أكثر شمولا مما يفترض أنه كان مطلوبا وكانت النتيجة مثمرة، وقد تماست أحيانا مع دور مساعد بحثي وإن على استحياء شديد، فدققت الاقتباسات ومصادرها وشجعني الصيد على المزيد. جدير بالذكر أنه لا يوجد عبر الكتاب هامش مترجم أو محرر، فنستخدم مثلا كلمة “ترجمتنا”. وامتد التعاون إلى المشاركة في تحضير مادة الفهرس الكشاف وكتابة مقدمة كما أسلفت.
  7. “التحرير الأدبي” عبارة أستخدمها بتشجيع من ورقة لسمر أبو زيد، “المشكوك في أمره: التحرير الأدبي في النشر العربي”، (ندوة مهرجان القرين الثقافي، فبراير 2024): وقد “امتد إلى الأنواع الأدبية الأخرى مثل كتب السیرة الذاتية والمذكرات […] التي تفید من تقنيات السرد الروائي لتجذب القارئ إلى مواضيعها وتؤمن له متعة في القراءة مهما كان الموضوع”. لكن هذا الدور ليس واضحا بعد ويؤخذ في أفضل الأحوال بشكل مسلَّم به وغير مسمى، ما يمثل تحديا واجهته في المستوى الأخير بطلب وضع كلمة “تحرير” على الغلاف صراحة إلى جانب “ترجمة”. ولكن بسبب آفة الترادف، ما زالت “محرر” غير مفهومة بالضبط، وملتبسة مع معانٍ أخرى للكلمة في عمليات النشر المتنوعة.

ما مشروعاتك القادمة في الترجمة؟

لأبدأ بالمشاريع الأبعد. لا أخفيكم أنني لشتى الأسباب أرغب في اعتزال المهنة، إذا استطعت الاستغناء ماديا، أو على الأقل التوقف لفترة مفتوحة (مرة ثانية)، أو -وهو أضعف الإيمان- إعادة صياغة شروط عملي بها (من جديد). لكني لا أريد الاعتزال وفي نفسي شيء منها. لدي مثلا رغبة جارفة في ترجمة رواية أو قصص أو أشعار، أو نثر ذي طابع أدبي فني إن لم يكن تخييليا، أي غير مقيد علميا ومنهجيا. ورغبة في أخذ خطوة أبعد مما خطوت بالفعل في الاتجاه المعاكس، بالترجمة أكثر إلى الإنجليزية فيما وراء حدود المقالات والنصوص الأقصر من حجم كتاب، حتى لو كان ذلك في نفس المجالات التي طرقتها من قبل. كما تظل محاولاتي لتعلم الفرنسية مفتوحة على ضمها إلى المعادلة والمشاريع.

المشاريع المحددة والمخطط لها فعليا كتابان: الأول عن نظام الوقف الإسلامي في العصر الحديث وتفاعلاته -على الأخص في لبنان، بلد المؤلفة- مع نشأة الدولة الحديثة العثمانية وتغير مفهوم الحكم والتحولات التي غيرت تعاملنا مع الدِّين والفقر والصالح العام والانتماء إلى جماعة. خالد هو من رشح لي الكتاب ورشحني للمؤلفة الباحثة عن مترجم. وهي مثله تكتب بالعربية لكنها بالطبع خاضعة للشروط نفسها التي تطرق إليها في الندوة المذكورة: في ميزان الإنجاز الجامعي والتراكم لا يوضع الإنتاج العربي -تأليفا أم ترجمة- في الحسبان. مما يجعل اهتمام المؤلف بترجمة كتابه جهدا مشكورا في حد ذاته —ناهيك بأن ينقل عمله بنفسه أو يتعاون مع مترجم، إن وجد الوقت والرغبة لا القدرة فقط! هنا أيضا سيكون التعاون مع المؤلفة هو شرط العمل (المرغوب أصلا). تتغير أمور كثيرة حين يكون المؤلف ملما باللغة المترجَم إليها ناهيك بأن تكون لغته الأم. من ناحية يرتبط تحررك وتقيدك بإرادته وتفضيلاته، ومن أخرى تتيح لك عينه وذخيرته سبيلا أيسر إلى الدقة والمصادر العربية، ويضمن التصديق على عملك النهائي.

يلي ذلك ما قد يكون تغريدة البجعة: ترجمة الكتاب العمدة لسيريل ليونيل روبرت جيمس، عن «اليعاقبة السود»، وهو مشروعي من الأول إلى الآخر، وقد وجد ناشرا مثاليا، فلسطينيا، معنيا بالتراث الجذري المناهض للاستعمار والرأسمالية. سأقدم للكتاب، على الأخص لأن جيمس شبه مجهول لدينا، وسيكون هذا في الأغلب كتابه الأول المنشور بالعربية! أمر لا يصدق لكل الأسباب. وإذا كان فهمي أديبا ضل طريقه إلى التأريخ (كما وصفه حسن حافظ مدير الندوة، فعارضته قليلا لأن فهمي يظل مبدعا)، فإن جيمس نموذج ملهم للثوري الكبير بوصفه فنانا كبيرا. كان ناقدا فذا للأدب والثقافة، كما نشرت له قصص قصيرة ورواية، ثم مسرحية عن توسان لوڤيرتور، قائد ثورة هايتي موضوع الكتاب، عمن أسماهم جيمس «اليعاقبة السود»، الملح الآن لأسباب شتى منها السابع من أكتوبر.

وسيكون في نفسي شيء من الترجمة إذا اعتزلتها دون أن أنقح وأنشر ترجمتيَّ حبيستي الأدراج. على الأخص هارمَن، مرة أخرى لأن كتابه هو الملح سياسيا ولو كانت لغته أقل تحديا. يستحق بلا شك شروط نشر وإنتاج أفضل بالعربية. لكني عازم على الاستفادة من شغل لِاين في كل الأحوال، إلى جوار أعمال استشراقية أخرى، حين أتصدى بالمشيئة لصنع فيلمي الأول المزمع، وهو عن النوبيين. بالمناسبة لدي أيضا مشروع فيلم أو مسلسل مستوحى من أعمال فهمي. للترجمة والتحرير كما ترون أشكال وألوان!

ما الذي جعلك تتجه إلى مهنة الترجمة؟

كما هو الحال مع سؤال “اختيار” الكتاب هناك انطلاق عملي لإجابة سؤال المهنة، أو حتى التخصص الدراسي. يحلو لي استحضار إجابة نائل الطوخي عن لماذا درس العبرية، إذْ تضرب إجابته الهالة والتوقعات الجاهزة لتعيدنا ببساطة إلى المصادفات وواقع نظام التنسيق الجغرافي واستمارة “الرغبات”. في آخر يوم من فترة السماح بالنقل للسنة الأولى من كلية إلى أخرى داخل الجامعة نفسها حولت أوراقي من كلية الزراعة بسوهاج إلى كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بقنا. بعد طول حيرة وعذاب، كما نعلم جميعا عن الثانوية العامة وهمومها، وجدت نفسي أخيرا في مكان مناسب، إن لم يكن المناسب بالألف واللام، إن وجد مثل هذا الشيء. اهتممت منذ طفولتي بالأدب والكتابة واللغة. شكلت نوبيتي مستوى عميقا ومركبا من علاقتي باللغة والثقافة، فأنا أفهم مثلا نسبة لا بأس بها من الفاديكية لكني لا أتحدث اللغة فيما وراء نُطق بعض الكلمات وحفظ بعض الأغاني والعبارات (بالمناسبة، أتحداكم أن تجدوا نوبيين يتحدثون الفاديكية أو الكنزية بطلاقة ويذكرون ذلك في سيرهم الذاتية المهنية، وذلك من فرط القمع الثقافي المستبطَن).

كانت هذه العلاقة قد أثرتها كذلك قراءة أعمال مترجمة إلى العربية (روايات بالذات ولكن أيضا قصص قصيرة) —لم أكن بدأت القراءة بالإنجليزية بعد. فكرت طبعا أثناء الدراسة في خيار الترجمة كمهنة أيا يكن مجالها، وكان لي بالفعل عمّان يمارسانها، خليل كلفت وعلي كلفت -وهما لغويان أيضا- ولم أكن قد التقيت بهما، وإن كنت أحببت أدب ماشادو دي أسيس ولاحقا بورخس بترجمة المرحوم خليل، عن لغة وسيطة في الحالتين (له بالمناسبة نقد مهم لسياسات المركز القومي بخصوص اللغة الوسيطة). ومع ذلك، فإن خيار العمل مترجما لم يطرح بجدية إلا بعد سنوات، في القاهرة، بعد تخرجي وانتقالي إليها. بعد أعمال متفرقة أهمها في البداية كمحرر وباحث عند ناشر موقع إنترنت في تراث موسيقى معين، زكاني خليل للمركز، وراجع كتابي الأول المذكور. وسرعان ما تعاقدت مع دار الشروق على ثلاثة كتب أخرى تباعا، بعد أن كنت قد ساهمت بترجمات لمقالات في مجلة «الكتب وجهات نظر» الصادرة عن الدار، تلاها العمل مع بلومزبري-مؤسسة قطر، في كتاب أسماه اقتصادي زميل “كتابا خفيا” لأن العلاقات المصرية-القطرية تدهورت عشية صدوره: «23 حقيقة يخفونها عنك بخصوص الرأسمالية». في نفس سنة صدور كتابي الأول استقلت من دوامي الكامل كمحرر وِب (في «المصري اليوم»)، مراهنا على مهنة المترجم المتفرغ.

كان للترجمة، ويظل، بريق خاص، حتى في زمن الذكاء الاصطناعي، بل وربما الآن بسببه أيضا —ودعك من الترجمة الآلية والترجمة بمساعدة الحاسوب السابقتين عليه بكثير. حتى عند العمل بين لغتين شائعتين بل يخضع العمل بينهما لتنافس شرس، بل وحتى دون تخصص في مجال معين. كما أنها مهنة مريحة إلى حد ما، ماليا -إذا نجحت في تأمين شغلانات مجزية وعلاقات مستقرة- ونفسيا، فأنت تنجح حين تختفي، ويدخل في حسابات المكافأة المعنوية أن تترجم أعمالا ترضيك بشكل يرضيك، وتكون قد أسهمت في تشكيل الذائقة والمعرفة والانحياز لاتجاهات وألوان بعينها —أي تشكيل السوق في النهاية وإن بالتأثير على نقطة في بحره.

ليست لدي أوهام كبيرة عن الترجمة رغم كل حبي وامتناني —ربما فقط في البداية، في عالم ما بعد 11 سبتمبر وحديث الجسر. قرأت كثيرا مما قرأت بفضلها، ثم كمهنة لي غيرت الطريقة والخريطة التي أقرأ بها. جاذبية الترجمة تنبع أيضا من أنها نشاط تعليمي بسيط يجعلك في منطقة ذهبية بين التلميذ الأبدي والمثقف الجاد. في المرحلة الواعية والاختيارية، وإذا استبعدنا فكرة التورط والتعود والاحتياج، أختار الترجمة لأنها تصب في ممارساتي الأخرى ككاتب وكمشتغل بالسينما والفنون والثقافة، وتمتزج معها جيدا. ولأنها مثيرة من نواحٍ كثيرة —يكفي مثلا جانبها البوليسي! والترجمة ممارسة تؤدي بالضرورة إلى معرفة حميمة باللغة وشيء من التنظير لها وللترجمة نفسها بشكل انعكاسي. وهي إن لم تكن بالضبط أو دائما جسرا كما يشاع (جسر عائم هذا أكيد!)، فهي باب واسع للتواصل والاتصال. ومنذ أن تركتها أو علقت عملي بها ثم عدت، تؤدي الترجمة لي وظيفة تنويعية مهمة، رغم مزاحمتها لكل شيء آخر جراء احتياجها المفرط للوقت، فالواحد لا يُقبل دائما على التأليف، بمعناه الواسع، أو قول شيء “جديد” يخصه. الترجمة مهرب جيد شريطة ألا تصبح مدفنا.

هل يمكنك أن تصف لنا طريقتك في الترجمة، مثلًا كم مسودة تعمل عليها؟ وما القواميس والمراجع التي تعتمد عليها؟

مثاليًّا، أبدأ على أرضية النص المترجَم عنه بشكل حصري، متناسيا أنني بصدد ترجمته. في الواقع الفعلي، لا يخلو الأمر من التفكير في الترجمة في هذه المرحلة المبكرة، فتستوقني مثلا كلمات وتعبيرات وتراكيب معينة. أحاول مقاومة هذه الشوشرة مكتفيا بوضع خطوط تحتها أو التفكير فيها بلغتها. هدفي في مرحلة القراءة الصرفة فهم واستيعاب النص تماما، أفكاره ومعلوماته ثم نبرته وأسلوبه، وهذين قد يتطلبان قراءة ثانية صرفة أيضا نسبيا. ماذا يقول النص وكيف يقوله؟ ماذا يفعل للقارئ وفيه وكيف يفعل؟ ماذا أراد في “الأصل” وكيف يتحقق ذلك في اللغة الجديدة؟ في حالة الترجمة عن الإنجليزية كلغة وسيطة -فعلت ذلك مع نصوص أصلها ألماني وفرنسي- أتعاون لاحقا مع قارئ وكاتب ملم بلغة الأصل يفضل أن يكون أيضا أولا على معرفة بالموضوع وثانيا مترجِما، ليضاهي الأصل الحقيقي، الذي لا سبيل مباشرا لي إليه، بترجمتي، فيعوض ما فاتني وفات، أو فَوَّته، النص الوسيط.

في المراحل التالية أفعل العكس تدريجيا، إذ أبدأ في نسيان الأصل والحديث والإنصات إلى النص الجديد (العربي عادة). كثيرا ما ألجأ إلى ما أسميه الانغماس والاستئناس (والسجع غير مقصود والله). هذه إستراتيجية طورتها أثناء العمل على لِاين، فوضعت على طاولتي ترجمة حديثة لمستشرق من القرن 19 هي «بلزوني في مصر»، وترجمات أقدم مثل «رحلات بوركهارت»، وطبعا «وصف مصر»، بالإضافة إلى أعمال صوفيا وستانلي لاين-پول، وأعمال لِاين نفسها الأصغر حجما، التي توالى صدورها مثل «القاهرة منتصف القرن التاسع عشر» (2017)، وطبعا «عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم» (المشتق من مخطوطته المذكورة)، بترجمة سهير دسوم -وهناك ترجمة أبكر بكثير، لعدلي طاهر نور- بل وقرأت «بدائع الزهور»! بالرغم من قدمه بالنسبة إلى الزمن المعني. الاستزادة حول موضوع وعالَم النص المترجم، والاستعانة بمواد متعلقة مؤلفة أم مترجمة، تعينان المترجِم وتحضِّرانه. لا يحدث هذا حصرا بالقراءة وإنما بوسائل معرفية شتى، من البحث عن تسجيلات صوتية لنطق أسماء الأعلام الأقل شيوعا، إلى الحديث مع زملاء أو مختصين (مؤخرا مثلا أنارت لي مكالمات مطولة عبر البحار ما غمض علي عند نقل مقال طويل فرنسي الأصل عن طريق ترجمة إنجليزية، على نحو أملى اختيارات مختلفة وإيراد هوامش).

ترك الترجمة أحيانا وممارسة عمليات لغوية أخرى -الكتابة مثلا- قبل استئناف العمل أمر يساعد بتنشيط الحواس والقدرات. كما أبحث وأحفر كثيرا لاستجلاء غموض ما أو حتى نصف غموض. الاهتمام بشغلك يرهف حواسك، فأحيانا تستشعر مشكلة لا تُرى بالحواس المجردة، وعليك التفريق مبكرا بين مجرد الوسوسة والشك المفيد. ناهيك طبعا بالقواميس والمعاجم. فيما مضى كنت أسرف في إيراد بدائل للحسم بينها في النهاية. وما زلت ألتزم بالعودة إلى قواميس إنجليزية-إنجليزية أو عربية-عربية في المقام الأول وتأجيل القواميس ثنائية اللغة إلى النهاية، فالمقابِلات المتوفرة تشوشر عليك الفهم أيضا وتصعب الإتيان بجديد ليس في القواميس.

مما لا يقل أهمية أيضا، كيلا نقع فيما يسميه أحمد حسان “الإفراط في الترجمة”، أن نحصر كيف وإلامَ نقل المترجمون السابقون هذا التعبير أو المصطلح أو العنوان، ونرصد ماذا استقر وشاع من ذلك، قبل حسم اختيارنا، بحيث لا نجتهد بجديد إلا في حالة الضرورة. البحث على الإنترنت، كنز مترجمي زمننا، يفيد في البحث داخل النصوص والكتب المترجمة، ولهذا مهاراته وحيله الخاصة. وعلى أنا المترجِم هنا أن تتواضع أمام تقاليد المهنة وإسهام الزملاء بمن فيهم من رحلوا عن دنيانا قبل عقود أو قرون، ومن يعملون في بلدان ومشاهد أخرى، بل من نقلوا الكلمات نفسها إلى لغات أخرى. الجديد كما يقول أمين الخولي يجب أن يأتي فقط بعد قتل القديم بحثا. وإلا فنحن نساهم في الانقطاع على حساب الاتصال. أما القطيعة والاختلاف فلهما وقتهما.

أستخدم الترجمة الآلية وإن بحذر وبشكل إجرائي، والذكاء الاصطناعي في حالات خاصة جدا (للأسف حتى الآن لم أجرب الترجمة بمساعدة الحاسوب تجربة جدية)، بالأساس لتوفير الوقت، وأيضا لضمان ألا تسقط كلمة أو جزء من النص سهوا عند الاعتماد حصرا على العين واليد. من هناك يبدأ التدخل الواسع فالأوسع، والعميق فالأعمق، إلى أن تعيد خلق الناتج في صورة جديدة. واضح هنا ضمنا أنني لم أعد أترجم على الورق وإن لم تخنني الذاكرة فلم أفعل أبدا (وإن كنت أكتب بخط اليد كثيرا). لكني كثيرا ما أطبع أو أصور ما أترجمه خاصة لو لم يكن متاحا في شكل كتاب إلكتروني، على الأقل پي دي إف قابل للبحث، جيد الإخراج، وترجمتي نفسها أحيانا كذلك في مراحل متأخرة. أؤمن بأن الاستفادة من التكنولوجيا بل والمساهمة في تطويرها، بدلا من اتخاذ موقف لُوْدِيٍّ منها، ضرورة وواجب وحق، أما السلبيات والمشاكل فتفاصيل نتعامل معها. وفيما مضى كنت أستخدم Proz.com وهو مجتمع مترجمين يشمل قسما لتبادل الرأي عند طرح أحدهم سؤالا يخص صعوبة تواجهه في ترجمة عبارة أو مصطلح، مادا الزملاء بالسياق، وتُختار الإجابة الأفضل بالتصويت و/أو عن طريق السائل.

مثاليا أيضا، أترك وقتا يمر بين المسودة والأخرى. عند قراءة النص في لغته الجديدة بعد مرور وقت تتضح أشياء لم تتضح من قبل، وتستجد نظرات ومشاعر وملاحظات. الابتعاد المزدوج، عن الأصل والترجمة معا، يسمح للواحد بأن يترك نفسه أكثر للنص العربي ويخضعه له في آن معا، فيكون التأثير والإفهام والسلاسة (عندما لا تكون السلاسة والوضوح مفروضتين بشكل متعسف كقيمتين في المطلق) قد انفسح لها المجال بعيدا عن الشوشرة. نادرا ما تحدث القراءة الجديدة دون تعديلات. ونادرا ما لا يصاحب الندم نشر ترجمة لم تحظَ بفرصة مرور الوقت، على الأخص وأن الناشرين الرقميين أنفسهم غير مستعدين دائما، إلا على مضض، للتصويب أو التعديل، فيخسفون بذلك بعض قيمة الإنترنت.

أخيرا، أحاول أن ينتج عن الترجمة وشغل اللغة عموما قاموس خاص بي قيد التطوير، ويتعلق هذا بما أسلفته عن تأخير اللجوء إلى القواميس الثنائية، وأسمي قاموسي النامي قاموس المترجِم أو الممارِس، ويختلف عن القواميس بمعناها المضبوط في أنه قائم على الممارسة، ومن ثم يورد مقابلات لم ترد في القواميس. لا يكاد يمر يوم إلا ويضاف إلى هذا القاموس، من خلال القراءة المفتوحة بالأساس. 

ما التحديات التي يواجهها المترجمون إلى العربية؟ 

بالنسبة إلى مترجمي الكتب وما شابه فبادئ ذي بدء: الهشاشة وعدم الاستقرار، “القلقلة” عند حسان. يؤكد الزملاء عادة على ضعف الأجور، وهي متفاوتة دون تسعيرة أو نطاق مرجعي لكن قبول البعض بأقل يضر الجميع، كما أفضل التأكيد على سوء الشروط التعاقدية، بشقيها؛ الحقوق المادية والأدبية. من المعيب في المقام الأول أن تستمر شروط الإذعان أو المقطوعية خصوصا مع الضعف المزري أحيانا كثيرة في الأجر. وتبرز في الآونة الأخيرة طبعا شكوى المترجمين عموما من تبعات التوسع في اعتماد الذكاء الاصطناعي ومن ثم استغناء العملاء المحتملين عن المترجمين أو سحب الوظائف والمشاريع بل وإجبار المترجم على العمل تابعا للذكاء الاصطناعي كمجرد مراجع للترجمة الآلية. يمكنني أن أضيف هنا اقتراحاتي، أكان بخصوص التعاقد أم قواعد الأتمتة، وحقوق أخرى مثل ما يخص استنزاف ذهن المترجم الفوري وإصابات الجهد المتكرر، لكن كل هذه البنود تنبهنا إلى المشكلة الأساسية والتحدي الأكبر، ويغفل المترجمون ذكرها من فرط ما ألفناها وسلمنا لها فتصبح مجرد إجابة سلبية تلقائية عند سؤالهم: ألديكم نقابة؟ في وجود نقابات واتحادات يمكن للمترجمين حماية أنفسهم، بما في ذلك حمايتهم من بعضهم البعض في ظل التنافس الشديد، وخدمة مهنتهم والمستفيدين منها.

على مستوى الاقتصاد السياسي الأكثر تجريدا: اغتراب العامل بأشكال ودرجات، فالمترجم ترس في ماكينة —بينما تُلصق به وحده فضائح الترجمة! المثال المتطرف هنا هو مترجم الشاشة الذي يكلف بترجمة الحلقة الثالثة مثلا دون غيرها -ودون شاشة- لدواعي السرعة، والوقاية ضد التسريب، ولو شفويا، كأنها أسرار عسكرية. ينتج عن هذا مثلا عدم اتساق المفردات عبر الحلقات. والمترجم مع دار نشر مثلا قلما يؤخذ رأيه في السياسة العامة والاختيارات والخطط ناهيك بالميزانية والتسويق والتوزيع، مطالَبا بأن يرضى ماديا ومعنويا ويعتبر نفسه جزءا من شيء مهم كبير وكفى وله الشرف. (التقديم والهوامش يخففان طبعا من اغتراب المترجم.) سلطة الناشر فيما يتعلق بمن له الكلمة الأخيرة دون حتى الرجوع إلى المترجم بخصوص عمله المباشر أحيانا -ولدينا هنا حالات صارخة شهيرة كما حدث مع حسان وبشير السباعي في طبعة من كتاب تيموثي ميتشل «استعمار مصر»، أو إيهاب عبد الحميد مع جوزيف مسعد في «اشتهاء العرب»، أو مع هالة صلاح الدين حسين في كتاب جيهان السادات- هذه السلطة متصلة بسلطة المؤلف وسلطة القارئ (مفوَّضةً إلى الناشر والمؤلف) وهو قارئ متخيَّل، يريد كذا وكيت من حيث العناوين ومن حيث الاختيارات اللغوية.

وفي أوضاع الاستعمار وما بعده: هيمنة الإنجليزية، حتى كلغة وسيطة، وهي تؤثر بشدة على علاقتنا ببقية العالم وبلغتنا نفسها أي ببعضنا البعض. من ناحيتي وكما أسلفت أحاول تمرير واعتماد تقاليد واختيارات منها ما يخص إستراتيجية التعاون أو الترجمة الجماعية بمضاهاة الترجمة على الأصل بعد الانطلاق من ترجمة إنجليزية وسيطة (أي ترجمة الترجمة). هذه هي الأوضاع نفسها التي أدت إلى أحوال غريبة عجيبة للغة العربية الحديثة أو المعاصرة أو القياسية، على الأخص في علاقاتها وتناقضاتها مع العاميات أو المحكيات أو الدارجات. أواجه في عملي على ترجمة الكتاب الحالي أصعب امتحان خضته مع تطويع اللغة العربية لاستيعاب الكفاءة والميكانيكية الإنجليزية الأكاديمية.

وفي غياب أو ضعف شبكات قاعدية من المترجمين عبر العالم الناطق بالعربية وشتاته: صعوبة التنسيق وتبادل الخبرات والبناء على ما قام به الآخرون، على عدة مستويات. هل يمكن أن ينتج عن تجربتي مع خالد مثلا “بروتوكول فهمي-كلفت” يعتمده أو يستشيره من يريد؟ إن جاز لي نصح أضلاع عملية النشر والإنتاج اللغوي والمعرفي، فلْيُصَغ بروتوكول يوضح المعايير والصلاحيات والمأخوذ به منها، لنوفر وقتا ومجهودا، يعتمد مثلا إجراء طلب عينة قبل التعاقد وتطويرها معا حتى الوصول بها، من عدمه، إلى عينة بينة، ونظاما لتتبع المسودات والفروق بينها، وبناء مسرد للألفاظ والمصطلحات الناتجة (الترجمة بمساعدة الحاسوب مفيدة في ذلك)، وأخيرا قائمة خطوات للمراجعة والتدقيق وتحضير البروفة في المراحل الأخيرة بما تشمله من ملاحق كالفهرس الكشاف. أفكر أيضا في أن أخذ رأي عينة قراء -وليس لجنة متخصصين- قبل النشر أمر مهم كما في عالم النشر التجاري، في الغرب، والأكاديمي، وكذلك الأفلام في نظام الأستوديو. تقليد “كلمة المترجم” مهم للغاية وأرى إحدى وظائفه كتقرير يشرح فيه المترجم العملية التي خاضها والصعوبات والشواغل، بل ويقدم توصيات بشأن الترجمة العربية في ضوء تجربته. الاختيارات التي تسيَّد تأتي نتيجة ضرورة سرعة الاستجابة لعالم سريع التغير، مفرط الإنتاج، مركزي، تحكمه أيديولوجيا براغماتية، ونظرة دونية للعربية فصحاها وعاميتها، وصراعات بين أعداء كل ما هو جديد وأعداء كل ما هو تقليدي، دون حوار جدي في، وبين، الأوساط الجامعية والمهنية والثقافية. يفسح ذلك المجال لسلطة المؤسسات، المتحكمة ماليا وسياسيا، وهرمية المتخصصين والخبراء الدوليين والأمميين وغيرهم. يصبح المترجم المقاوِم لهذه الشروط ونتاجها أشبه بدون كيخوته، مغردا خارج السرب في بعض أفضل الأحوال، وكأن النص الخارج من عنده هو المعركة كما تخيلها وتمناها، بل كأنه الحرب لا معركة من معاركها. فالتعاون ليس هو دائما الشرط وإنما الصراع، ومن أبرز أمثلته حاليا الصراع النسوي والمناهض للاستعمار على اللغة وفي سبيلها. الصراع ضروري ومحمود على الأخص في غياب ديموقراطية عمل حقيقية. وضعي كمجرد ممارس للترجمة، لا منظر أو دارس، أو واضع للسياسات من موقع ما، يحد من مشاركتي وتأثيري في الصراع بالطبع.

المترجمون يواجهون أيضا: تحدي كسر اغترابهم، للوعي والتحكم أكثر بذاتهم وعملهم وأوضاعهم؛ تحدي الوقوف من حين إلى آخر موقف المتأمل والناقد والشاهد ليسألوا أنفسهم مثلا أسئلة عن مجريات عملهم ومغزاه وشروطه، ومدى نموهم من خلاله، لا نموه وحده من خلالهم، ومسؤوليتهم عنه، وليس فقط الأسئلة العملية والإجرائية. بطغيان المهني على الإبداعي في شغل المترجم يُطمس صوته أكثر من مرة على أكثر من مستوى، وهذا في مهنة مقرونة أصلا بالخفاء، تستهلك الوقت والطاقة بحيث لا تترك مجالا كبيرا لإنتاج أصلي أو إبداعي مباشر. هكذا يصبح لدينا مثلا مترجم كبير كان يمكن أن يؤلف أكثر لولا الغرق في مشاريع الترجمة وطلبات السوق، وحتى في حدود الترجمة يتفاوت نصيب كل مترجم كبير من التركيز على مشروعه الخاص كمترجم (أعيانا مؤخرا البحث عن مقابل مناسب لمصطلح “passion project“، على علاته في الإنجليزية أصلا).

إنها، على المستوى النفسي، مهنة موحشة وبطيئة تتطلب الصبر، لكن للوحشة والبطء تناقضات إيجابية. وهنا يأتي أيضا تحدي مواجهة المترجمين لأنفسهم وعاداتهم السيئة وأوهامهم، يصابون ويمرضون بها مرضا مزمنا أحيانا، تحت ضغوط في المقام الأول. ومن ذلك التطوع بممارسة الرقابة من المنبع، وأسوأها الرقابة الخفية. أو استبطان شروط القارئ المتخيل مثل التبسيط المخل. أو ادعاء الفهم على نحو يقوِّل النص ما لم يقله لأن ما يقوله غير مفهوم بما يكفي للمترجم أو غير مفهوم على الإطلاق (أفضِّل الاعتراف أو الإيحاء بشكي أو عدم فهمي، إن تعذر حقا، لتنبيه القارىء).

وكما أسلفت، أحد التحديات هو التحديث الدائم للغة، ومن هنا إصراري مثلا على عقد (أو سنوات) 1830 لا ثلاثينيات القرن التاسع عشر كل مرة. هذا إلى جانب ما أسلفت أيضا عن مكافحة آفة الترادف، والفصل المتعسف بين ما يسمى العامية والفصحى، وبين ما يسمى القديم والحديث. في كل نص أنتجه -تأليفا أم تحريرا أم ترجمة- وكما أحاول الانتصار لكلمات وتعبيرات يراد لها الموت (من يحيل الكلمات إلى التقاعد؟)، أو بدائل أقل انتشارا من غيرها، أنتصر لاقتراحات جديدة تقاوم ما أظنه ممارسات سيئة وأخطاء شائعة؛ هذه إرادة تمر كذلك بغربال إرادة المؤلف وثقته والحوار معه، ومرونة الناشر. ولكني أنتصر أيضا لما يسمى القديم، للمبني للمجهول مثلا ضد الفعل الناقص ولكن ليس دائما وأبدا.

سأختم بقصة (سبق أن حكيتها لكن، للمفارقة الساخرة، أسيئت ترجمتها من العربية إلى الإنجليزية ضمن أقوال أخرى نُقلت أحيانا كعكس ما قيل): حفرت لأيام وأنا أترجم لِاين، دون سبب واضح، حتى عرفت، بفضل الإنترنت الذي أوصلني إلى كتاب الأمير عمر طوسون، «الجيش المصري البري والبحري»، أن كلمة “brig” عُرِّبت في القرن 19 لتصبح “إبريق” (إلى جانب “بريغية”، الواردة كمدخل في ويكيپيديا، وأجهل تاريخها). قررت اعتمادها بدلا من المفردة الشرحية في القواميس الثنائية، “قارب بصاريَيْن”. الطريف أن «قاموس المد» نفسه لا يورد كلمة “إبريق” بمعناها المعروف أصلا (ربما لأنها دخلت من الفارسية). هذه القصة المفتوحة على مسارات متنوعة على كل الأصعدة، حيث المسألة ليست الصواب والخطأ والعقلاني، ولا الشغف وحده، تلخص كثيرا من التحديات والتناقضات. كم أملك مثلا من الوقت لكي أخوض هذا النوع من البحث واتخاذ القرار؟ من سيقدر كل ذلك؟ وهل ما يوجه طاقتي هنا أكثر من مجرد هوس؟

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *