مقال يوليا ساڤتيش
نشرت في مدونة زنجبلوج على موقع ميديام 29 مايو 2019
ترجمة: محمود راضي
يوليا ساڤتيش: كاتبة ومترجمة وصحافية كرواتية/ بريطانية
ماذا يحدث حين تعصف موجات الاكتئاب السيئة العظمى بمترجم مستقل؟
اليوم يوم طيب. استيقظت، وأعددت وجبة الغداء لهذا اليوم، وقعدت لكي أعمل. أشعر بالسكينة والاستعداد لبدء اليوم بكل قوتي.
إلا أن هذا المنشور كان يُفترض صدوره الأسبوع الفائت. لكن الأسبوع الفائت كان عبارة عن متوالية من الأيام السيئة، وفي اليوم الذي اعتزمت فيه نشر هذا المنشور، لم أقدر سوى على لي جسدي بتنويعات عدة لوضعية الجنين، والبكاء، ومقاساة صعوبات التنفس. أعامل أيام مثل هذه باعتبارها أحد أشكال التطهير الوجداني. تحل هذه الأيام بعد فترات معبأة بحمولة وضغوط شعورية ثقيلة الوطأة والتي أميل لفترة طويلة إلى كبتها. تأتي هذه الأيام بسبب ضرورة تصفية هذه الحمولة خارج جسدي وعقلي، لكنها أحيانًا تأتي دون سبب واضح على الإطلاق.
تدخل هذه الأيام ضمن نوبات اكتئابي. عانيت من الاكتئاب منذ كنت في سن السابعة عشر (وربما حتى في سن أبكر)، وثمة فترة من مطلع عشريناتي أسميتها (الاكتئاب العظيم)، دامت لعامين. التحم احتراقي الوظيفي ومتلازمة المحتال مع اكتئابي فتفاقم. أثر على قدرتي على إدارة وقتي وطاقتي وعملي ودراساتي وعلاقاتي الشخصية. الحقيقة أني ما زلت أسعى لنيل درجة الماچستير في سن السابعة والعشرين، رغم أنه في بلادي، السن المتوقع للحصول على درجة الماچستير هو 23 أو 24. الحقيقة أن سبب هذا التأخير يكمن في اكتئابي وفي الظروف الحياتية التي مررت بها فتسببت في تفاقمه.
الحقيقة أن مشقة كتابة هذا المنشور تفوق مشقة كتابتي لأي منشورات سابقة عن الصحة العقلية. لكني أحسب أن إتمامي لكتابته أمر مهم.
خضعت للعلاج النفسي بوتيرة متقطعة على مدار خمس سنوات، وكان العامل الرئيس في فهمي لكيفية التعامل مع الاكتئاب. ومع العلاج، بذلت جهدًا كبيرًا لكي أتعلم التعايش مع حالتي وإعادة تهيئة طريقة تعاملي مع نوبات الاكتئاب. أود مشاركة الدروس التي تعلمتها من هذا المجهود، على أمل أن يجد شخص ما نفعًا فيها.
العمل المستقل مع الاكتئاب
في سلسلتنا عن الصحة العقلية، ناقشنا بعض الجوانب العصيبة في العمل المستقل، مثل انعدام الأمان المادي والعزلة ومتلازمة الاحتراق الوظيفي. أرى أن آثار هذه العوامل على المصابين بمرض الاكتئاب واضحة.
تأثر كثير من هؤلاء باضطرابات الصحة العقلية رغم أنهم اختاروا العمل المستقل مسارًا مهنيًا لسبب ما. يمنحنا العمل المستقل فرصة لتنظيم وقتنا وفق أوضاعنا ويحرر طاقتنا للعمل خلال الساعات المغايرة لمنظومة العمل المعتادة من 9 إلى 5. تسنح لنا الفرصة لخلق روتيننا، دون تقيد بمواعيد الاجتماعات والمواصلات. أما ممن بيننا الذين يقاسون عند التعامل مع الآخرين، يوفر العمل المستقل فرصة للتركيز من دون اضطرابات الطاقات الخارجية. أما ممن بيننا الذين يعانون مع النوبات الاكتئابية، فهو يسمح لنا بالحصول على راحة من العمل عند الحاجة إليها. لا يوجد أحد يلوح من فوق أكتافنا ليرى إن كنا أنجزنا عملنا، أليس كذلك؟
هذا يعتمد بكل تأكيد على أحوالنا الفردية ومستويات دخولنا وإيقاع عملنا. في صناعة الترجمة، المعايير نسبية على أكثر من مستوى، ودوائر الشدة والرخاء حقيقية. قد تتأثر حالتك العقلية حين تضطر إلى الترجمة لساعات دون توقف على مدار أشهر ثم لا تُكلف أو تضطلع على مدار أسابيع بمشروع جديد، وقد تهدد سلامة شبكة أعمالك أو عملائك. مع الضغوط ومواعيد التسليم الصارمة، قد ينهار المصابين منا بالاكتئاب في أوقات غير مناسبة ونضطر لاستنزاف ما تبقى من طاقتنا الذهنية تمامًا كي ننجز العمل في موعده. في بعض الأحيان، حتى العمل المستقل قد لا يترك مجالًا لأجل يوم لصيانة الصحة العقلية.
لذا، أي نصيحة سأقدمها لن تركز على الاكتئاب عمومًا أو تنسيق مشاريعك، وإنما على استيعاب حالتك العقلية، وهو عامل فارق في عافيتك وعملك.
إليكم قواعدي الأربعة للتعامل مع ثبوط الهمة.
إدارة الاكتئاب
يُفترض بالنصائح التالية أن تشكل إطارًا لتقبل حالتك والتعامل معها. الأمثلة التي أعطيها هي تطبيقاتي العملية لهذا الإطار، وكالعادة، قد تنطبق على تجربتك أو لا. رغم ذلك، أظن أن هناك شيء حاضر هنا لمن ينشدون العمل المستقل في أيامنا العامرة بالبكائيات. وكل هذا يبدأ بقدر من اكتشاف الذات.
- افهم منهاجك:
من أبرز النقاط التي تتذكرها عندما تتعامل مع حالات عقلية مختلفة هي أنها تؤثر علينا بوسائل منفردة. يتضمن منهجي في التعامل مع الاكتئاب ذلك الكبت الذي ذكرته في المقدمة (مرحلة «أنا على ما يرام»)، يليه التصاعد البطئ بانعدام المبالاة حيال المهام اليومية والتدريبات الرياضية والعناية بالذات (المعروفة أيضًا بمرحلة «فيم العناء؟»)؛ والتقلبات المزاجية العنيفة (مرحلة «لا أدري ما خطبي»)، وفي الختام: انهيار صغير يتضمن انتقاصًا من الذات، وكم غزير من نشاط القناة الدمعية، والانعزال عن دوائري الاجتماعية ومرسلي رسائل البريد الإلكتروني (وهي المرحلة المعروفة بـ«أوه، هذا خطبي إذًا». تحديد منهاجك يساعدك على مراقبة التقلبات المزاجية والأعراض التي قد تتجاهلها عادة خلال نشاطك اليومي، مثل التعب المزمن والنزق. كما سيساعدك أيضًا على المباعدة بين إحساسك بذاتك وبين اكتئابك- أنت لست أفكارك، لأنك تعاينها.
قد يساعدك إدراكك بإقبالك على الانهيار على ترتيب وضعك والحؤول دون وقوع نوبة أشد وطأة، ومن ثم تقليص فرصة حدوث انهيار غير متوقع خلال العمل على مشروع ترجمة. بعد استيعابي لطريقة عملي فيما يخص الاكتئاب، أحتاج الآن إلى يومين سيئين حقًا في الشهر تقريبًا لإفراغ المدخلات المكبوتة، على حسب الظروف الحياتية، وذلك في مقابل الأسابيع التي استغلها لتمضيتها في العذاب والإنكار. أكرر، هذا ما أفعله بشكل فردي، لكنه يثبت نقطة وجيهة حول إدارة حالة صحية عقلية: بإمكان فهمك لمنهاجك أن يصير خطة وقاية، وتزودك بإحساس إدراك لحالتك.
- احترم حالتك:
بعد تحديدك لمدخلات ومخرجات الطاقة والاستجابة الشعورية، يصير من الأيسر مجابهتها بدرجة أقل، وتقبلها أكثر، بطريقة صحية. عادة ما يشعر مرضى الاكتئاب بالذنب أو الخزي من حالتهم وتأثيرها المنهك على حيواتهم يومًا بيوم. نحاول التغطية عليها بالتصرف على النحو المنتظر منا، مما يتسبب في قمع الفوضى وتهيئة أنفسنا لما أسميه بالاستهلاك العام. بالنسبة لكثيرين منا، يفاقم هذا من حالاتنا حين نُتَرك بمفردنا في النهاية لمواجهة العواقب، مما يسبب إحساسنا بإنعدام قيمتنا وتقبل هذه الحالة على نحو انهزامي بوچاك-هورسماني.
وهو أمر وجيه، لكنه ليس عظيمًا.
لكل فرد بلا استثناء سعة واحتياجات شعورية مختلفة. إن كنت تعاني من مرض الاكتئاب، فمن المحتمل أنك تتصور أن استجاباتك الشعورية غير مقبولة من الآخرين، أو ببساطة غير طبيعية. لسوء الحظ، قد يتسبب هذا في الكثير من العقاب لذاتك، ويعمق من سلبية حالتك. إلا أن النموذج الفردي لا يُحسب أبدًا على الكل. لحالتك العقلية خصوصيتها لديك، وستساعدك كيفية احترامك لأيامك السيئة على إخراج أفضل ما يوجد في أيامك الطيبة. بالنسبة لي، تجلب الأيام السيئة عذابًا، لكنها تولد الصفاء. أحتاج إلى السقوط من على صهوة جوادي والانغماس في مهرجان البكاء خلال سهرة مع نتفلكس والغرق في كراهية الذات كي أستطيع اعتلاء السرج وجذب اللجام من جديد. لذا، فقد يساعد احترامك لحالتك على استحضار الإحساس بالإتزان في طريقة تعاملك معها.
- اخلق طقسًا:
في لحظة ما خلال استكشافي لاكتئابي، بدأت أصمم خطة تسير خطوة بخطوة لـ«تمريض» نفسي لأعود إلى حالة الإتزان في أيامي السيئة. مع تسلحي بمعرفة منهاجي وتقبله، توصلت في النهاية لخطة بست نقاط للتعامل مع نوبات اكتئابي:
- السماح لنفسي بالبكاء.
- تشغيل قائمة أغانٍ مثيرة للمشاعر للمساعدة في ضخ القناة الدمعية لمزيد من الدموع.
- كتابة الشعر.
- ممارسة التأمل مع مقطوعات فريق أونست جَايز لشفاء طفلك الداخلي (وهو ليس سخيفًا كما يبدو من الاسم).
- البكاء مجددًا.
- تشغيل قائمة أغانٍ مهدئة للمشاعر لتخفيف ما تبقى من توتر، ثم الراحة، وشرب ماء كثير، ومحاولة تناول الطعام، وقراءة أو مشاهدة عمل محبب و/أو مسلي (بالنسبة لي، هذا يعني في العادة إعادة مشاهدة مسلسل The Good Place أو معاودة قراءة مفضلاتي من الكومكس المنشورة على الإنترنت).
المنطق من وراء طقوسي هو الآتي: استجيب للموسيقى على مستوى وجداني مما يساعد على استحضار مشاعر أو مسائل لا أدركها بشكل واعٍ. كتابة الشعر مطهر لهذه المشاعر أو المسائل. هذه الطريقة في التأمل تساعدني على رؤية ذاتي من منظور الغائب وإظهار بعض الشفقة بدلًا من الجلد الذهني للذات الذي أخضع له. تعزز قائمة أغانٍ المشاعر الطيبة الإحساس بالاستغراق في حالة «أنتِ على ما يرام يا صغيرة». أظن أن باقي الخطوات شارحة لنفسها.
أعلم كيف قد تبدو طقوسي تبسيطية ولا أقول أنه ينبغي لك تجربة أي من النقاط التي ذكرتها، لكن يجب عليك محاولة ابتكار خطتك الخاصة. قد يساعدك امتلاك طقوس للأيام السيئة على دعمك بإحساس بالسيطرة عليها، وكذلك الإحساس بحضورك مع ذاتك. بالنسبة لي، كانت هذه نقطة محورية في رحلتي، حين اكتشفت أني لن أسمح لحالتي السيئة بإحكام قبضتها عليّ. سأترك ذاتي تعتني بها. أحتاج للانجراح في سبيل الشفاء.
- انجز ما تستطيعه:
مثلما قد تكون استجمعت، لا بأس لدي على الإطلاق في رغبتي بتوقف العالم حين أواجه يومًا سيئًا. رغم ذلك، هذا لا يعني أني أقترح عليك أن تترك كل شيء يمضي، بالضرورة. عندما تستوعب وتحترم وتعرف الخطوات التي تحتاج إلى إتخاذها كي تعتني بحالتك، ستعمل معها، بدلًا من العمل ضدها. ربما لن تتلقى الكثير من الملفات في يوم سيء، لكن ربما تستطيع الرد على بعض رسائل البريد الإلكتروني أو تراجع ما ترجمته بالفعل. لو كان العمل اللغوي ليس خيارًا، بسبب تفجر الأفكار السلبية أو الخدر الذهني، يمكنك المباشرة بكي الملابس أو تحضير الوجبات أو أي واجبات منزلية. أي شيء تستطيع فعله اليوم سيعني مزيدًا من الوقت فيما بعد للتعامل مع المهام التي لا تقدر على إتمامها الآن. وبالمثل، أي شيء لا تستطيع فعله اليوم يمكن تعويضه في الغد. المسألة ليست في إجبار نفسك على العمل، وإنما في التعامل مع حالتك. ربما لاحظت أني أولي الصحة العقلية أهمية تساوي أهمية الصحة الجسدية، ولن أنصح بعمل يثقل على العقل كالترجمة مع مخ متأثر بالسلب مثلما لن أنصح برفع الأثقال بساق مكسورة.
لذا انجز ما في استطاعتك. انجز ما يبدو مقدورًا عليه. قد يزودك هذا بالشعور بالإنتاجية، ليس رغمًا عن حالتك، وإنما تماشيًا معها. في بعض الأحيان، من الممكن أن تعاني من الاكتئاب وتنجح فيما تفعل، أيضًا.
*
مثل أي حالة عقلية أخرى بالضبط، تختلف آثار الاكتئاب واستراتيچيات إدارته. يلجأ بعضنا إلى العلاج الدوائي مع العلاج النفسي، أو أحدهما. يركز بعضنا على الانتظام في التدريبات الرياضية وتنمية عادات تساعد على تقليل تكرار نوباتنا الاكتئابية. البعض منا يصارع أكثر من حالة عقلية واحدة. بعضنا يحتاج للإقامة في مشفى، في بعض الأحيان. كلنا بشر، وأفراد، وكل هذه الأساليب سارية. أكتب من منظور شخص يعاني من نوبات اكتئابية متقطعة، ونوبات قلق، وبعض الميكانيزمات القديمة غير الصحية. أنا استفيد من العلاج النفسي في المقام الأول، لكني استفيد أيضًا من الكتابة وخلق الطقوس وتناول مستخلصات الأعشاب وزيت الكانابيديول. لا أعتبر أي من هذه الوسائل علاجًا، بل هي وسائلي الخاصة للتكيف وهي ناجعة معي. الحقيقة المطلقة الوحيدة التي أتمسك بها –باعتبارنا مترجمون مستقلون- هي أن أدمغتنا هي أدواتنا، وهي أدوات تستحق العناية. حالاتنا الشعورية متصلة بعملنا، ولأننا موظفون مستقلون، فنحن نتعامل معها أغلب الوقت بمفردنا. لذا أود تشجيعكم على إيلاء العناية بحالاتكم، ولتروا ما ستستخلصون منها.
بمعنى أخر، ترجموا طرائقكم إلى تقدم.

