الثقة والخيانة: خطايا مترجمة

مقال ليديا ديڤيس

نشر في باريس ريفيو في سبتمبر 2010

ترجمة: محمود راضي


صغت مسودة الترجمة الأولى لرواية «مدام بوڤاري» من دون دراسة الترجمات السابقة، رغم أني جمعتها وألقيت نظرة عليها من حين لآخر. من الباب الأمامي سيأتينا آندي، حامل بريدنا الريفي المبتهج، وفي حوزته هذه المرة طردان إضافيان: ترجمة آلن راسل لـ«مدام بوڤاري» (طبعة بريطانية من سلسلة كلاسيات پنجوين صدرت بالعام 1950) ومجلد رسائل فلوبير الذي يغطي فترة كتابته لـ«مدام بوڤاري». شكلت قراءة الرسائل نافذة مضيئة مفتوحة على مصراعيها تطل على فلوبير الرجل، نافذة أفضل بكثير من أي كتاب سيَّري عنه. قرأتها لأعرفه على نحو أفضل وأسمعه يتذمر –في العادة- بخصوص الرواية وتجربة كتابتها. وُجِهت أغلب رسائله لحبيبته، الشاعرة لويز كوليت، وشَكَلَ انفصالهما أمرًا سيئًا جدًا لنا أجمعين بعدما قطع ثلثي الطريق في كتابة روايته.

لم أستذكر الترجمات الأخرى خلال عملي على مسودتي الأولى لأنه توجب عليّ تأسيس أسلوبي وفهمي لما كنت أقرأه قبل المخاطرة بأن تخترق أذنيّ الإيقاعات والفروقات في أساليب المترجمين الأخرين، بل وربما تتسرب إلى كتابتي (مثلما حدث خلال ترجمتي رواية «طريق سوان» لپروست وغالبية الكتب السابقة التي أنجزتها، كما أني لم أقرأ مسبقًا أكثر من فقرة أو صفحة واحدة على الأكثر، بحيث يصبح ما أقرأه مفاجئًا وجديدًا). ثم، في المسودة الثانية، وخلال مراجعتي لما كتبت، بحثت ثانيًا وثالثًا في الترجمات السابقة، وأحيانًا أفتش فيها كلها، في حال واجهت معضلة عويصة بعينها، لكن يتضح في العادة أن خمسة أو ستة منها مفيدة بوسائل مختلفة. بمرور الوقت، بدأت أتخيل المترجمين لا محالة.

تتبع ترجمة چوان شارلز (وهي طبعة مختصرة صدرت عن جاردن سيتي بوك كِيلب في العام 1949) النص الأصلي عن كثب، ما كانت ستحلم بحذف أو إضافة مادة أدبية بالأسلوب الكتابي الواثق بل وحتى المتغطرس الذي يتميز به –على سبيل المثال- فرانسيس ستيّجمولر (أميركي، 1957) أو چيرالد هوپكنز (إنجليزي، 1948)  مُقدما ترجمتين «كلاسيتين» ورائجتين لمدام بوڤاري، ترجمة على كل ضفة من ضفتي الأطلسي.

لفترة من الزمن أحببت ترجمة چـوان شارلز، رأيتها ترجمة أنيقة، ومضبوطة، ومتقنة، ورصينة، وأمينة، وصادقة، وثاقبة الرؤية. اعتبرتها إلى حد ما ترجمة رديفة لما كنت أحاول إنجازه. ثم أصابتني خيبة أمل بعض الشيء، حين ارتكبت خطأ عارضًا ومالت إلى الانجراف نحو أسلوب بليد. في النهاية رأيتها ترجمة مكتوفة ومفتقرة إلى الطرافة وشديدة الهزالة. من المؤكد أنها عاصرت الحرب العالمية الثانية في إنجلترا، وربما عاشت في لندن خلال البِلتز،* وتحملت تقنين الوجبات.. إلخ. ربما لم تكن شديدة الجاذبية. ربما وجهها طويل حِصاني؟ أسنانها سيئة؟ ترتدي على الدوام سترة صوفية محبوكة وتدخل شلنجات في مقياس الغاز؟ ثم من جديد، ربما يكون هذا غير عادلًا، فمن المؤكد أنها كانت جميلة.

ليست هي، بالتأكيد، وإنما بعض المترجمين الأخرين، الذين وضعوا هتافات غير متوافقة على لسان رودلف، حبيب إيما الأول ومالك أراضٍ ثري، وأُرغِمَ أن يقول (وهذه فرنسا، الآن في ثلاثينيات القرن التاسع عشر): «بحق چوپيتر» (أحد المترجمين الأكثر مُعاصرة جعله يقول، في مناسبة أخرى: «لا مجال!» فاستقدمه على الفور إلى القرن الحادي والعشرين).

أيجب ترقيم كل خطيئة من الخطايا الترجمية العظمى؟ أنمنح هذه الخطيئة رقم 6؟ (آمل التطرق للخمسة الأوائل في وقت لاحق، في مقالة أطول). إنها خطيئة تحويل دفة الفعل والشخصية والحوار –تحويل ساحر لكن مهمل- إلى زمن مختلف وثقافة مختلفة، وجاء التحويل في هذه الحالة من باي دا كو بمنطقة نورماندي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر إلى إنجلترا في ثلاثينيات القرن العشرين –مثلًا- أو متى كانت عبارة «بحق چـوپيتر» تبلغ أوج عصريتها وحيويتها.

مع اقتراف عدة مترجمين لهذا الخطيئة بالتحديد في هذا الموضع، فربما تكون أيضًا دليل على الخطيئة السابعة من طرفهم: الإتكال بثقة مبالغ فيها على ترجمة سابقة. إنها خطيئة شائكة، وأنا شخصيًا مذنبة بارتكابها. ثمة مواقف ترجمية ضاغطة تمامًا: ما الذي يقوله المؤلف بحق العالم؟ أي قدر من إعمال العقل والبحث في المراجع وعبر الإنترنت والتواصل مع متحدثين أذكياء بلغة العمل الأصلي لا يسفر عن شيء. وها هنا أمامنا مجموعة عقول لامعة لدرجة منصفة، فيهم واحد، واثنان، وثلاثة، وأربعة، وخمسة توصلوا لنفس الاستنتاج، أو على الأرجح، اختاروا أن يحذو نفس حذو أولهم. من المغري للغاية فعل نفس الشيء. أتخيل أيضًا لجنة تحكيم الترجمة وهي تحكم بأنه لو اتبع المترجمون الستة هذا الخيار، فلن يكون قرارًا غير حكيمًا، غير أنه يراودني وهم الأمان في وجود آخرين. أخضع للإغواء وأحذو حذوهم، لكن وأنا أشعر بعدم ارتياح لا يتلاشى، ثم في الغالب يصبح ضميري شديد الإزعاج فأعود إلى المعضلة وألجأ لاختيار مستقل، لأني لو لم أتخذ قراراتي الترجمية باستقلالية، فما النفع إذًا في كل الأحوال؟ إلا أن الخطيئة السابعة مراوغة جدًا، ورأيت أمثلة كثيرة واضحة عليها في الترجمات الأخرى، مثلما حاولت تفاديها بنفسي.

كان الحل الذي تبنته كونستانتس جارنت -المترجمة غزيرة الإنتاج من اللغة الروسية- مع الكلمة أو العبارة أو الفقرة التي حيرتها تمامًا في النص الأصلي: الحذف.

***

قرأت «مدام بوڤاري» للمرة الأولى في سنوات مراهقتي أو في مطلع عشريناتي. على الرغم من إدراكي لوجود المترجمين والمترجمات خلال دراستي بالمدرسة الثانوية، لم يخطر ببالي على الإطلاق أن السبب وراء عدم حبي للرواية قد لا يكون فقط شخصياتها غير المثيرة للتعاطف (التي لم يكن فلوبير ذاته يحبها)، أو بطلته الضعيفة والرعناء إلى حد ما (كنت أنشد نموذجًا قويًا ورشيدًا)، وإنما بسبب الترجمة المعيبة أكثر من أي سبب آخر. توجد ثقة هائلة توضع على عاتق الترجمات من أناس كثيرون لا يدرون بوجود بدائل أفضل وأناس كثيرون يعرفون بوجودها. الآن مع وعيي بكم الترجمات السابقة الكثيرة لرواية «مدام بوڤاري»، ومدى سوء أغلبها، أحسبني قرأت ترجمة سيئة.

تعتمد جودة أي ترجمة وطبيعتها (لنقل مثلًا عن اللغة الفرنسية) على ثلاثة عوامل، الأولى واضحة جليًا، وثاني عاملين ليسا بنفس القدر من الوضوح: 1- إلمام المترجمين باللغة والتاريخ والثقافة الفرنسية. 2- تصورهم عن مهمة المترجم. 3- قدرتهم على الصياغة الجيدة باللغة الإنجليزية. تمتلك هذه المتغيرات الثلاثة تفريعات لا نهائية تعاود الإندماج بلا نهاية كي تنتج أنواع ومستويات جودة مختلفة من الترجمات بين أيدينا. يبدو أن الناشرين عند اختيارهم مترجمًا ينطلقون من فرضية أن أهم مؤهل للاختيار هو العامل الأول «لنسأل الپروفيسور سين، رئيس قسم اللغة الفرنسية في صاد!». في أحيان كثيرة يتجاهلون العامل الثاني: كيف سيتعامل الپروفيسور سين مع مهمة الترجمة، كما يتجاهلون العامل الثالث بكل تأكيد: كيف يبدو الأسلوب الكتابي للپروفيسور سين؟ كل العوامل الثلاثة حاسمة، لكن في أحوال كثيرة، إذا توجب على المرء ترتيبها، فربما يكون العامل الثالث (كيف يكتب المترجم) هو أهم مؤهل، ويتبعه في درجة قريبة أو مساوية العامل الثاني (كيف تقارب مهمة الترجمة)، ويحل العامل الأول في المرتبة الأخيرة، بما أن الهفوات الدنيا في الإلمام باللغة والتاريخ والثقافة قد تنتج أخطاء يسهل تصحيحها تمامًا في ترجمة جميلة الصياغة وأمينة في عمومها، في حين أن إساءة إدراك مهمة الترجمة، والأسوأ وهو عدم المقدرة على الكتابة الجيدة، ستدمران الكتاب بأكمله في كل جملة منه.

قدمت إليانور ماركس آڤيلنج –ابنة كارل ماركس- أول ترجمة لـ«مدام بوڤاري» في العام 1888. حافظت مراجعة پول دي مان لترجمة ماركس آڤيلنج (نورتون، 2005، 1965) على بعض مفرداتها المتقادمة أو غير المناسبة، مثل «للآن»، و«ينشد» بدلًا من «يتوسل» أو «يلتمس». أدخلت المراجعة إيضاحات أو تفسيرات في المتن (تحولت «شاوميري» إلى «مرقص شاوميري») –هذا يساعد القارئ دون شك، لكنه خيانة للعمل الأصلي- والأسلوب الكتابي ركيك، كما زادت المراجعة من ركاكة هذا الأسلوب الركيك. بدت من وجهة نظري لبعض الوقت الترجمة الأسوأ على الإطلاق من بين 11 ترجمة. ليست كذلك. ربما تكون ثاني أسوأ ترجمة. رغم أن ماركس آڤيلنج ليست كاتبة بارعة، إلا أنها كاتبة أفضل بالإنجليزية من دي مان، لذا حين يصحح أحد أخطائها، لا يكون التصحيح مكتوبًا جيدًا في أحيان كثيرة مثل الخطأ الأصلي (هذا ما حدث كذلك في مراجعات كلمارتن وإنرايت لترجمة سكوت مانكريف لرواية پروست، حيث بدلا النحو الأصلي الذي لا تشوبه شائبة في النسخة الأولى بـ«تحسين» يقدم خطأ نحويًا).

الكتاب موجود لبضعة أسباب خاطئة، والناس يشترونه لسبب خاطئ آخر. السبب الخاطئ #1-  اختارت نورتون اللجوء إلى ترجمة ماركس آڤيلنج لأنها دخلت في نطاق الملكية العامة فلن تكلفهم شيئًا (هكذا افترض، أو قيل لي، لا أتذكر). السبب الخاطئ #2- (من تخميني): طلبوا من پول دي مان مراجعة الترجمة وتحريرها ليس لأن ضميره حي في العمل ولا لأنه كاتب بارع باللغة الإنجليزية وإنما لتمتعه بحظوة وسمعة وذكاء أكاديمي. ثم من الواضح أنه طلب من زوجته إنجاز معظم العمل (هذه شائعة، لكنها آتية من مصدر جيد. سيسرني إثبات صحتها أو خطأها) ولم يعترف بفضلها. السبب الخاطئ #3- لا يشتري الناس الكتاب لكونها ترجمة ممتازة لهذه الرواية المهمة، وإنما لاحتوائها على مجموعة نافعة من المقالات.. إلخ، مفيدة لمدرس مثلًا. لذا في حوزة القراء مجموعة مواد مفيدة للقراءة حول الرواية، فيما يقرأون واحدة من أهم الروايات في تاريخ أدب الرواية، وواحدة من أشهر الروايات على الإطلاق، بترجمة سيئة.


هامش المترجم:

*  إشارة إلى حملة القصف الجوي الشعواء التي شنها طيران ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية في الفترة من 7 سپتمبر 1940 إلى 16 مايو 1941.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *