كيف تترجم | تصفية الاستعمار decolonial

مقال حسين الحاج


“إن الحاجة إلى فك الارتباط السياسي والمعرفي إنما تأتي هنا إلى مركز الصدارة، كما تأتي عملية إزالة الاستعمار والمعارف الديـ-كولونيالية، والتي هي خطوات ضرورية من أجل تخيل وبناء مجتمعات ديمقراطية، عادلة، غير إمبيريالية وغير كولونيالية.”

في الاقتباس السابق من الفقرة الأولى من مقال “العصيان المعرفي، التفكير المستقل، والحرية الديـ -كولونيالية” للفيلسوف الأرجنتيني والتر د. منيولو، نجد المترجم التونسي الدكتور فتحي المسكيني يستعمل إزالة الاستعمار لترجمة decolonializing والديـ-كولونيالية لترجمة decolonial بالنقحرة (النقل الحرفي transliteration) -مثلما أثبت ذلك في الهوامش. والغريب في ذلك، أن المصطلحين يشتركان في الجذر ذاته decolonial، فالمؤلف لم يستعمل decolonising، إذن لماذا ترجم الأولى ونقل الثانية حرفيًا؟ هل لأن الثانية نعت لـلمعارف فلم يعرف لها تصريفًا؟ أم لأنه يفضل استعمال النقل الحرفي لكلمة كولونيالي colonial كما استعملها في ترجمة uncolonial بـ”غير كولونيالية” بدلًا من “غير استعمارية”؟ لكنه استعمل إزالة الاستعمار بالفعل! فما الفرق؟ وما الذي يجعل decolonial مصطلحًا مختلفًا عليه في الترجمات العربية؟

تكمن الإجابة في كيفية ترجمة البادئة «-De»، لا في ترجمة المقطع اللاحق على جذر المصطلح ذاته colony (أي مستعمرة)، حيث أننا نجد في النصوص الأكاديمية المرتبطة بحقل دراسة الاستعمار مصطلحات مثل ما بعد الاستعمار post-colonialism ومناهضة الاستعمار anti-colonisation، وهي مصطلحات تختلف في لواحقها «isation, -ism-» مثلما تختلف في بوادئها «-post-, anti»، ورغم ذلك فإنهما في كلا الحالتين يشيع ترجمتهما إلى “الاستعمار” كما يشيع نقحرتهما إلى “الكولونيالية” (فلا نجد من يقول “كولونيزيشن” نقحرة لـ colonisation مثلًا!)، وينطبق ذلك على مصطلح colonial الذي يترجم إلى “استعماري” في بعض الترجمات وينقحر إلى “كولونيالي” في ترجمات أخرى.

إذن كيف نترجم البادئة «-De» في مصطلح decolonial؟

بحسب قاموس ميريام وبستر، فإن البادئة «De» تضاف إلى أول الكلمة لتعني عكس فعل ما أو إزالته أو  إنهاءه أو خفضه أو تقليصه أو فصله. نجد مثال لذلك في كلمات عديدة، مثل “activate” التي تترجم إلى “تنشيط”، ومن ثم نترجم “deactivate” إلى “تعطيل”، كذلك يسري ذلك على “generate” التي تترجم إلى معاني مثل توليد واستحداث وإنشاء، ومن ثم نترجم “degenerate” إلى نقيض تلك المعاني مثل انتكاس وانحطاط وتراجع. ولدينا مصطلحات في مجالات معرفية وعملية مختلفة تستعمل هذه البادئة، مثل “deconstruct” في الفلسفة التي تترجم إلى “تفكيك” و”dehumanize” التي تترجم “التجريد من الإنسانية”، و”decentralise” في السياسة التي تترجم إلى “لامركزة” و”depolitisation” التي تترجم “عدم التسييس”، و”devalue” في الاقتصاد التي تترجم إلى “خفض القيمة” و”degrowth” إلى “ترشيد النمو”، و”decaffeinated” في المقاهي إلى “منزوعة الكافيين”.. إلخ.

تختلف ترجمة البادئة «-De» باختلاف جذر الكلمة التي تليها، فهي “خفض” مع “قيمة” و”ترشيد” مع “نمو” و”عدم” مع “التسييس” و”لا” مع “مركزة” ولا تنقل حرفيًا، أي أنها تعامل معاملة الكلمة المستقلة مثل -proto التي تترجم إلى “أولي” -كما في “نموذج أولي”- و-re التي تترجم إلى “إعادة” -كما في “إعادة الإنتاج”. وذلك ما صنعه د. فتحي المسكيني عندما استعمل إزالة الاستعمار لترجمة decolonializing، التي تترجم أحيانًا بنزع الاستعمار أو تصفيته أو إنهاءه أو تفكيكه وكذلك القضاء عليه، وهي على اختلافها تحيل إلى المعنى نفسه، بل إن حتى المسكيني يترجم decolonial (في الهامش رقم 33 من المقال) بـ”المضاد للطابع الاستعماري”، وهذا يدفعنا إلى السؤال: لماذا نتمسك بنقحرة “الكولونيالية” ولا نعربها؟ أليس في التمسك بالمصطلح العربي “الاستعمار” اتساقًا مع مبدأ إنهاءه بدلًا من عجمة اللسان وإعجام الفكر؟

قد يظهر رأي يقول بأننا ستصادفنا عقبات إذا ترجمنا decolonial في كل مرة بتصفية الاستعمار، فماذا عن decoloniality أو decolonial feminists؟ وردنا على ذلك بأنه نعم، قد تكون المدرسة الديكولونيالية والنسويات الديكولونياليات أيسر في الترجمة من محاولة التصرف في تصفية/ إزالة/ إنهاء/ محو الاستعمار بحسب صياغتها، لكن في المقابل ماذا عن جملة decolonize your mind؟ هل نترجمها “دَكْلن عقلك” بحسب اقتراح المترجم المغربي مزوار الإدريسي الذي يقترح استعمال الدكْلنة ترجمة لـ decolonization؟ نرى في ذلك نوعًا من الكسل، لأنه يغرب فكرنا العربي المعاصر دون مجهود، إذن يمكننا أن نجتهد فنقول، “مدرسة تصفية الاستعمار” و”النسويات أنصار تصفية الاستعمار” و”حرروا عقولكم من الاستعمار “.

على جانب آخر، تظل هناك إشكالية اختلاف اللاحقة «isation, -ism, -ial-» على الجذر colony، وهذا يرجح استعمال د. فتحي لمصطلح إزالة الاستعمار ترجمة decolonialising أو حتى decolonisation، لأنه يستخدم “ديـ-كولونيالية” تمييزًا لمدرسة أو تيار فكري محدد مرتبط بإزالة الاستعمار، وهي نفس المشكلة التي تجعل بعض المترجمين العرب يفضلون ترجمة empricist إلى “إمبريقي” بدلًا من “تجريبي” خشية من أن النعت العربي يصبح مجرد صفة عرضية للفيلسوف الذي يتبع هذا المنهج، أي أنه لا يدل على “المدرسة” أو التقليد التاريخي بالمعنى المستخدم في تاريخ الفلسفة بصورة كافية.

تقديرنا الأخير أننا نميل لاستخدام “تصفية الاستعمار” كترجمة معربة مباشرة لمصطلح decolonial، لأنها أسهل في التصريف مقابل التصريف المنقحر “ديـ-كولونيالية”، ولأن “ديـ-كولونيالية” ستربك القارئ العربي وتكسر لسانه (“بل تكسر الرقاب دون ذلك” كما كتب الشاعر فؤاد حداد ذات مرة)، فإننا نرغب في “تصفية استعمار العقل” كما أخبرنا المنظر والروائي الكيني نجوجي وا ثيونجو (ونقل عنه الشاعر العراقي سعدي يوسف).


المقال خاص بترجمان

يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *