آندي والش
ترجمة: محمود راضي
نُشرت في موقع Peaceful Science
«سمكة بابل هي سمكة صغيرة صفراء زاهية، تُوضَع في أُذن شخص ما كي يتمكن من سماع أي لغة مترجمة إلى لغته الأم».
أشعر بألفة خاصة مع سمكة بابل (وهي سمكة مترجِمة من رواية «دليل المستركب إلى المجرة The Hitchhiker’s Guide To the Galaxy» [لدوجلاس آدمز])، لأني أمضيت أغلب مسيرتي المهنية وأنا أمارس دورًا شبيهًا في مجال العلوم. انتهى بي المطاف وأنا أعلم أحد طلاب الدراسات العليا في مجال الأحياء المجهرية قدرًا كبيرًا من الرياضيات. كما أمضيت زمنًا طويلًا أُعَلم الإحصاء لزملائي علماء الأحياء. هذا ما ساعدني في الحصول على زمالة بعد الدكتوراه لتيسير التعاون بين علماء الحاسوب والأحياء من خلال الإشارة إلى مواضع تقاطع أفكار المجموعتين، وعلى نفس القدر من الأهمية، الإشارة إلى المواضع التي ظنوا معها أنهم يتحدثون عن نفس الشيء بسبب استخدامهم لنفس الكلمة، فيما امتلكت كلتا المجموعتين مفهومًا مختلفًا تمامًا في حقيقة الأمر. أما الآن فأعمل لصالح شركة برمجيات في مجال الصحة العامة، مترجمًا بين المستفيدين من خدمات الصحة العامة ومهندسي البرمجيات، وأعلم الجميع بعض الرياضيات وأساسيات الأحياء خلال هذه المرحلة.
كلمتي المُفضلة من هذه المحاورات العابرة للمجالات هي Vector. بالنسبة لشخص لديه خلفية في الرياضيات أو الفيزياء، Vector تعني قوة مصحوبة بإتجاه، مثل سرعة الرياح. بالنسبة لعالم حاسوب، Vector عبارة عن مجموعة من عناصر البيانات التي قد تكون رقمية أو لا تكون. أما بالنسبة لعالم أحياء جزيئية، فـ Vector جزيء حمض نووي دائري يُستخدم لإضافة محفز چيني خارجي إلى الخلية. ومن منظور اختصاصي في الأمراض المعدية، Vector حيوان ناقل لمرض، كالبعوض أو الجرذ. يعي أناس كثيرون بالمعاني المختلفة المتخصصة، لكن حتى الباحثين المتمرسين متعددي التخصصات قد يُضبطون وهم يفكرون في الأرقام بينما كان زملائهم يقصدون القرادات، لهذا يساعد وجود إنسان بابلي «متعدد الألسنة» مثلي بالجوار على إبقاء المحاورات في مساراتها.
تمثل الحواجز اللغوية أيضًا معضلة شائعة في الخيال العلمي. ينبغي للفضائيين التحدث بتشكيلة من اللغات. تحويل كل شخصية إلى فرد متعدد الألسنة أمر غير واقعي، كما سيقف التعلثم المستمر بسبب الحواجز اللغوية حجر عثرة في طريق السرد المتماسك. استحضار سمكة بابل أو المترجمون العالميون أو التعاويذ السحرية الملفوظة هو إقرار بوجود المشكلة وتأجيل للتعامل معها في نفس الوقت.
الترجمة ليست خيالًا علميًا، لكن تحويلها إلى عمل لحظي تام الدقة هو الشق غير الواقعي من الترجمة. الترجمة ليست مجرد مسألة استبدال كلمة بمقابلها في كل مرة، وهو أمر يشبه طريقة عمل سمكة بابل على ما يبدو. أي شخص تعلم لغة أجنبية صادفته أفعالًا مركبة لا يُلتَقط معناها بترجمتها كلمة بكلمة. على سبيل المثال، جعلت معلمي للغة الألمانية يقهقه وأنا أتدرب على مفردات متعلقة بالحيوانات الأليفة لأن نطقي السليم نحويًا والدقيق كلمة بكلمة لعبارة Ich habe einen Vogel «لدي طائر» كان في نفس الوقت اعترافًا بامتلاكي وطاويط في برج الجرس، إن جاز التعبير.
بخلاف غالبية أعمال الخيال العلمي، ينقب فيلم Arrival عميقًا في مسائل الترجمة. يصل فضائيين إلى الأرض للمرة الأولى وتقود عالمة اللغويات لويز بانكس فريقًا لتأسيس وسيلة تواصل معهم. تعلم المفردات والتعابير الاصطلاحية على حدة شاق كفاية من دون معجم، لكن لويز تدرك وجود مشاكل أعمق. ربما تكون خبرات الفضائيين شديدة الاختلاف عن خبراتنا لدرجة أنهم يفكرون بمفاهيم مختلفة. هل لديهم فكرة الحرب؟ هل يميزون بين الأدوات والأسلحة؟ هذه هي المشاغل الحالية لقادة العالم وهم يتسائلون ما إن جاء الفضائيون في سلام، لكن لويز تكتشف في النهاية أن خليج المفاهيم يجري لمدى أعمق.
حتى لغات البشر لا تتداخل بشكل كامل فيما يخص المفاهيم التي تمثلها. لو أمهلنا أنفسنا في التفكير، ربما نتصور أن لغاتنا مكتملة. بالتأكيد، ربما نحتاج لابتكار مفردات جديدة عندما نخترع تقنيات جديدة، مثل الهاتف أو فيسبوك. لكن بالنسبة للأفكار المعتادة، ستكون في حوزتنا بلا شك كلمات نقول بها ما يحتاج للقول، غير أنه كيف سنتحدث عن أشياء تفتقر لغتنا إلى مفردات تصفها؟
لدى الألمان كلمة نافعة جدًا: Weltschmerz. ثمرة ترجمة هذه الكلمة المركبة إلى الإنكليزية هي «وجع العالم»، لكن ربما تكون الترجمة الأدق هي الإحساس الذي يختبره المرء عندما يدرك البون الشاسع بين الواقع والرؤية المثالية للعالم. تفتقر الإنجليزية لكلمة مكافئة؛ وربما يكون أقرب معادل لها هي عبارة شارلي براون الساخطة: «وبؤساه!» وحتى هذا يعد شيئًا أقرب للتذمر، مشيرًا إلى اختبار شارلي براون لإحساس الـ Weltschmerz من دون تسميته حقًا. تختلف جميع اللغات في ماهية المفاهيم التي يتيسر التعبير عنها بكلمة واحدة أو عبارة شائعة؛ بل حتى خصائص جوهرية مثل عدد وأنواع أزمنة الأفعال قد تختلف. ما يسهل أو يصعب التعبير عنه في لغة معينة يؤثر على كيفية تحدث متحدثي هذه اللغة، وربما على أسلوب تفكيرهم.
هنالك مثال آخر قد يكون مألوفًا أكثر لقراء الكتاب المقدس وهو المحبة. يمكننا أن نقول الكثير عن المحبة بالإنجليزية؛ كثير من الأشعار والأغاني والحكايات عن المحبة. المحبة ركن جوهري من التجربة الإنسانية قد نحسبها ركنًا مؤسسًا لأي لغة بشرية. في الواقع، امتلك اليونانيون القدامى عدة كلمات للتمييز بين التجارب التي نجملها في الحب. تشمل هذه التجارب الرابطة الأسرية بين الأشقاء والآباء والأقرباء؛ والعاطفة الأخوية بين رفقاء السلاح؛ والرابطة الرومانسية أو الجسدية التي نقصدها عمومًا حين نقول أن شخصًا ما «يحب».
في أغلب الوقت، لا يختبر متحدثي الإنجليزية بشكل واعي أي خلل أو قيد في لغتهم بخصوص الحب. نحن نقول بخلو بال: «أحبكِ يا عزيزتي» و«أحبك يا أبي» و«أحبك يا رجل» و«أحبكِ يا شيميشانجا يا لذيذة» والجميع عمومًا يعرفون ما نقصده. لكن في بعض الأحيان لا نقول «أحبك» عندما قد ينبغي علينا قولها. ربما نشعر أن أحاسيسنا تجاه أزواجنا لا تماثل أحاسيسنا تجاه أبنائنا لكننا نفتقر إلى الأدوات اللغوية اللازمة للتعبير عن هذا الفارق البسيط بإيجاز.
في فيلم Arrival، تتعامل لويز بانكس مع هذه الفجوة المفاهيمية بين لغتها ولغة الفضائيين من خلال دمج اللغة المكتوبة بالإيضاحات. هي وفريقها يمثلون الكلمات والعبارات وهم ينطقونها ويكتبونها. بهذه الطريقة، يبنون تجارب مشتركة مع الفضائيين بحيث يصبح لتواصلهما شيئًا يُحال إليه. من دون هذه التجربة، قد ينتهي الحال بالطرفين وهم يستخدمون نفس الكلمات لكنهما يربطوها ذاتيًا بمفاهيم مختلفة تمامًا. على سبيل المثال، نجدها تستحضر الكلمة السنسكريتية गविष्टि التي يترجمها بعض اللغويين «جدال»، فيما تفضل هي «الرغبة في مزيد من الأبقار».

