صَدَرَ العددُ الخامس من دوريَّة “Encounters in Translation” بدعمٍ كريمٍ من مبادرة: “Bodies in Translation Knowledge and Sustainability in Cultural Translation” (التابعة لقسم الدراسات الثقافية واللغات الشرقية بجامعة أوسلو)، وبتمويلٍ من مجلس البحوث النرويجي (رقم المشروع 315928)، وبدعمٍ من مركز “إدوين سي. جينتزلر” للترجمة (التابع لجامعة ماساتشوستس في أمهرست).
إنَّ مجلة “Encounters in Translation” هي دوريَّةٌ علميَّةٌ متعددة التخصصات، تعتمد نموذج “الوصول المفتوح/الحر الماسي” (أي أنها مجانية لكلٍّ من المؤلفين والقراء)، وتخضع لنظام التحكيم مزدوج التجهيل (أي أن الباحثين يجهلون هوية المحكَّمين، وكذا المحكَّمون يجهلون هوية الباحثين). وتستهدف الباحثين، في مختلف المجالات، مِمَّن يضعون الترجمة في صميم عملهم. والتصوُّر الذي وضع لهذه المجلة يرمي إلى أن تكون مساحةً للتبصُّر في الأهمية النقدية للترجمة، إذ تدقق البحث في عمليات الوساطة وانكسار التباينات اللغوية والثقافية (التحوير الثقافي)، وتلك المتعلقة بموازين القوى الفاعلة في إنتاج المعرفة وتداولها. وتتجاوز المجلة التصور الشائع للترجمة باعتبارها نقلًا من اللغة المصدر إلى اللغة الهدف؛ إذ تنظر إليها بوصفها ممارسة تاريخية ومعاصرة في آنٍ واحد، وهي إلى ذلك موضوع بحثيٌّ عابرٌ للتخصصات يشمل عمليات وساطةٍ متنوعة تتسم بأنها مترابطةٌ للغاية وذات طبيعة مراوغة. وقد اختارت المجلة أن تنتهج في الترجمة نهجًا يقوم على الانفتاح وتعدد اللغات والدعم المجتمعي، وهي تروِّج للترجمة نموذجًا معرفيًّا صاعدًا في سياق “العلم المفتوح/ التشاركي”؛ وهو نموذج يمكن أن يسهم في مساءلة الاستخدام الاعتباطي للترجمة الآلية وتلك المولَّدة بالذكاء الصناعي، ومواجهة ما يترتب عليه من تبعاتٍ لغوية وثقافية.
*
عرض موجز: “الإنتاج التشاركي للمعرفة والترجمة في ظل أزمة بيئيةٍ عالمية: من البحث إلى المقاومة”
نانسي بينييرو Nancy Piñeiro
ترجمة إسلام الزنكي
هذا العرض الموجز مستمد من المقال الكامل والذي يمكن قراءته هنا: المقال.
شهد العقدان الماضيان توسُّعًا في دراسة أزمة المناخ والصراعات الاجتماعية والبيئية من منظورات الثقافة واللغة والترجمة. وعلاوة على هذا، صار مفهوم “ترجمة المعرفة” (knowledge translation) أحد المفاهيم الرئيسية في النقاشات التي تركز على ضرورة إتاحة المعرفة العلمية والتقنية والصحية المتعلقة بتغير المناخ وآثاره لعامَّة الجمهور، بل ترمي إلى ما هو أبعد وهو وضع المعلومات العلمية موضع التطبيق. وقد دار بين الباحثين نقاشٌ حصيلته أن هذا المفهوم -الذي غالبًا ما يغفل الترجمة بين اللغات وما فيها من تعقيد- يمكنه، إذا اشتبك اشتباكًا أعمق، أن يُفيد من الجوانب اللغوية والثقافية المتبادلة التي تهم الجمهور المستهدف، وذلك لتجاوز الفهم التقليدي أحادي الاتجاه لهذه العملية (Susam-Saraeva, 2024; Ødemark & Engebretsen, 2022). كما أكدت هذه الإسهامات المهمة الحاجةَ إلى حواراتٍ عابرة للتخصصات بين دارسي الترجمة والباحثين في مجالات أخرى، سعيًا إلى فهمٍ أفضل للكيفية التي بها يجوبُ خطابُ تغير المناخ العالم، وكيف يجري تكييفه واستخدامه. فعلى سبيل المثال، دعت أبحاث حديثة إلى ضرورة “تحويل التركيز من المفهوم المجرد لكيفية إجراء الترجمة، إلى كيفية قيام فاعلين ووكلاء محددين بأعمال ترجمة فعلية على أرض الواقع” (Susam-Saraeva, 2024, para. 32). وعمومًا، فإن دور الترجمة والمترجمين وكذا خصائص الترجمة والمترجمين الذين شاركوا في عمليات ملموسة ضمن الصراعات البيئية وقضايا المناخ لم يحظيا بدراسةٍ وافية وشاملة في حقول دراسات الترجمة والعلوم الإنسانية والاجتماعية؛ لما ينطويان عليه من تعقيدات. ويمكن للتخصصات المهتمة بالتحليلات الترجمية أن تستفيد من رصيد بحثي ثريٍّ قدَّمه باحثون درسوا الترجمة في سياقات الصراع والعنف والنشاط والحركات الاجتماعية (Baker, 2019; Boéri, 2023; Fernández, 2020; Gould & Tahmasebian, 2020; Inghilleri, 2008; Todorova & Ruiz Rosendo, 2021)؛ وهي دراسات جميعها بالغ الأهمية أيضًا عند بحث الجوانب الترجمية لأزمة المناخ.
تستند هذه الورقة البحثية إلى تجربتي الشخصية الممتدة في مجالي ممارسة الترجمة والأبحاث الإثنوغرافية، وذلك في سياق صراع اجتماعي-بيئي في منطقة باتاغونيا الأرجنتينية يدور حول تقنية لاستخراج النفط والغاز تُعرف بـ”التكسير الهيدروليكي” (fracking). وترمي الورقة إلى دراسة الإنتاج التشاركي للمعرفة -سواء داخل اللغة الواحدة أو بين اللغات- ومفهوم الترجمة بوصفها عملية تبادلية تندرج ضمن حراكٍ أوسع للمقاومة تقوده المنظمات والمجتمعات المحلية ضد مشاريع الاستخراج التي تمثل فاعلًا رئيسيًّا في أزمة المناخ. وتحاول الورقة أن تبرهن على أن الترجمة -حين تُصاغ وتُفهم وتُمارس كجزء من الإنتاج التشاركي للمعرفة مع المجتمعات المتضررة، وبوصفها مكوّنًا أصيلًا في عملية بناء بدائل تحررية، على نطاقٍ أوسع- يمكن أن تسهم في الربط بين مساري البحث والمقاومة.
ثار هذا النزاع في منطقة باتاغونيا الأرجنتينية (وتحديدًا في مقاطعتي نيوكوين وريو نيغرو) في الفترة ما بين عامي 2009 و2011، ويمكن إدراجه في السياق الأوسع لأنظمة الاستخراج (أو “الاستخراجية الجديدة”) في أمريكا اللاتينية، مطلع القرن الحادي والعشرين (Svampa, 2019). و”الاستخراجية” مفهومٌ مثير للجدل؛ فهي لا تُستخدم هنا لمجرد الإشارة إلى أنظمة الاستخراج التقني للمواد الخام، بل -تماشيًا مع طرح ماتشادو أراوز (Machado Aráoz, 2015)- تُفهم بوصفها “أنظمة استخراجية”: أي تشكيلات سياسية-اقتصادية عِمادها الاستغلال الجائر للأقاليم الواقعة في أطراف “النظام العالمي” واستنزاف مواردها الطبيعية.
في مستهل حديثي، أوضِّح أهمية بيان الكيفية التي بها نفهم أزمة المناخ وجذورها من منظور المقاربات القائمة على الترجمة، وضرورة تفكيك مفهوم الترجمة ذاته عند مناقشة أزمة المناخ ولغتها وسردياتها. وفي هذا السياق، تُوصَّف أزمة المناخ أولاً بأنها أزمة “عصر الهيمنة الرأسمالية البيئية” (Capitalocene) -أي عصر الرأسمال- وذلك استنادًا إلى المساهمات النظرية لمدرستي “إيكولوجيا العالم” (world-ecology) و”الإيكولوجيا السياسية” في أمريكا اللاتينية (Machado Aráoz, 2016; Moore, 2015). أما الترجمة، فتُفهم من جانبها بوصفها حيزًا للفعل السياسي والتأمل النقدي (Baker, 2013) وعلاقةً اجتماعية في آن واحد، دون أن نغفل ماديّتها اللغوية (Bielsa, 2023) ولا حقيقةَ أنها تجري داخل نظامٍ عالمي محدد. وتتضمن أشكال المقاومة الموجهة ضد تجليات الأزمة المتعددة -كما في الحالة التي أدرسها- ممارساتٍ تسعى إلى الإنتاج التشاركي للمعرفة والسرديات البديلة لصالح غايةٍ أسمى: وهي مساءلة البنى المادية التي ترتكز عليها أنظمة القمع وتفكيكها.
استناداً إلى عمل إثنوغرافي متواصل، تقدم هذه الورقة أمثلة ملموسة على الإنتاج التشاركي للمعرفة عن طريق الترجمة من لغةٍ إلى أخرى والترجمة داخل اللغة الواحدة؛ وتُظهر هذه الأمثلة أنَّ حصر أثر الترجمة في مجرد نقل السياسات المناخية الكبرى أو أطر “التنمية المستدامة” إلى سياقات محلية تراعي الخصوصيات الثقافية، يغفِل التنوع الثريَّ للاستراتيجيات التي يتبعها المترجمون والمجتمعات والمنظمات الشعبية. وفي حالات النزاعات المرتبطة بالصناعات الاستخراجية -كالنزاع الموصوف هنا- تُعد عملية “الترجمة المعرفية داخل اللغة الواحدة” خطوةً أولى وجوهرية نحو دمقرطة المعرفة وضمان الوصول إلى الطاقة باعتبارها حقًّا من حقوق الإنسان، وتسهم الترجمة بين اللغات المختلفة في دعم هذه العملية. إذ تتحول عمليات الترجمة -سواء تلك التي توثق الآثار البيئية والصحية لتقنية التكسير الهيدروليكي (fracking) إلى اللغة الإسبانية، أو تلك التي تتناول وثائق وتقارير متنوعة موضوعها النقاشات المناخية- إلى فعل سياسي بحدِّ ذاته. وتعمل هذه الترجمات بدورها كمصادر تغذي نصوصًا مشتقة أُنتجت بشكل مشترك اعتمادًا على المعارف والإسهامات المحلية؛ وتُستخدم هذه النصوص في برامج التدريب وتبادل الخبرات مع نقابات المعلمين، وجمعيات الأحياء، ومجتمعات السكان الأصليين، والمجتمع ككل. وبهذه الطريقة، يرتبط الجانب النصي بالأرض واحتياجاتها. يضاف إلى هذا أن الإنتاج التشاركي للمعرفة -الذي تشكل الترجمة جزءاً منه- يخدم هدفًا معرفيًّا (إبستمولوجيًّا) يتمثل في تكوين فهم دقيق وشامل، قدر المستطاع، لواقع أزمة المناخ في تلك المناطق.
إن النهج المتَّبع في هذا البحث هو “ممارسة قادرة على الربط بين المشاركة العملية والتفكير النظري. (…) إذ ينطوي البحث النضالي على مشاركة نابعة عن قناعة، فيه يؤدي الباحثون دورًا في التحركات الميدانية ويتقاسمون الأهداف والاستراتيجيات والخبرات (…) فلا ينحصر الغرض من هذا السلوك في كونه وسيلةً عملية لجمع البيانات” (Bookchin et al., 2013, p. 9). وتتطلب هذه الممارسة “مجموعة أدوات” منهجية يُحَدِّدُ طبيعتَها السياقُ الذي يشارك فيه الباحث بفاعلية وبطرقٍ شتَّى (Russell, 2015). وما زالت الطرق المتعددة لانخراط البحث النضالي في مجال الترجمة مع ممارسة الترجمة النضالية، فضلاً عن خصائصهما المميزة، بحاجة إلى مزيد من الاستكشاف المتعمق؛ وذلك لتجنب إدراجهما -مسبقًا- ضمن سمات أنماطٍ أخرى من العمل النضالي.
وعن طريق هذه التجارب والمنهجيات المرتكزة على سياقات محددة والقائمة على المشاركة الفعلية، يتسنى للباحثين من تخصصات متنوعة -من ضمنها مجالات الصحة البيئية والحركات الاجتماعية- دراسة كيفية تقاطع التواصل داخل اللغة الواحدة والتواصل بين اللغات المختلفة، في خضم صراع ذي أبعاد اجتماعية وبيئية، وفهم العلاقات المحيطة بالترجمة البشرية -والتي تيسرها هذه الترجمة- واستشراف إمكاناتها في ظل أزمة عالمية النطاق.
*
عرض موجز: ممارسة الترجمة البيئية من أجل مقاومة الأضرار البيئية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي: نحو إطار عمل مبدئي
ماثيو ريملاند Matthew Riemland
ترجمة محمد أبو عمر Mohammad Aboomar
هذا العرض الموجز مستمد من المقال الكامل والذي يمكن قراءته هنا: المقال.
يتزايد القلق من التكاليف البيئية الباهظة للذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت النماذج اللغوية الكبيرة على وجه الخصوص علامة بارزة في فضاء الذكاء الاصطناعي وعلى الصعيد الاقتصادي الأوسع، بينما يكثر إبراز الترجمة الآلية العصبية بوصفها مثالا بارزا لانتصارات الذكاء الاصطناعي. ومع تفاقم الكارثة المناخية، يشتبك العاملون في مجال اللغات والباحثون في مجال الترجمة مع الأبعاد البيئية للاحتكاك المتكرر للمجال مع هذه التقنيات.
وتتطلب مواجهة الأضرار البيئية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي داخل أروقة الترجمة الاحترافية وخارجها التعامل مع القوى الهيكلية العتيدة التي تتحكم في استخدام هذه التقنيات وتنشرها في المجتمع، ومن هذا المنطلق يتبنى هذا المقال دعوة Piñeiro (2022) لإطلاق “الترجمة المعارضة للهيمنة” دعما للجهود الجماعية الرامية إلى تحدي الجهات الفاعلة النافذة التي تحدث أضرارا اجتماعية بيئية. ويضفي هذا التوجه أهمية مركزية على الترجمة بوصفها عملية حيوية يتمكن من خلالها “طليعة المناهضين للاستخلاص” من “الحصول على ما يحتاجونه من معلومات وتأمين المواد الضرورية وبناء شبكات تضامن دولية” (Piñeiro، 2022، ص159). يستلهم هذا المقال هذه الروح المقاومة لبناء إطار لممارسة الترجمة البيئية قادر على مواجهة قوى الاستخلاص التي تحدث أضرارا بيئية داخل مجال الترجمة وخارجه.
ومع تزايد الوعي بمشكلة التكاليف البيئية للذكاء الاصطناعي، فلا يزال فهم طبيعة هذه الأضرار ونطاقها ضعيفا لدى ممتهني الترجمة ومختصيها وناشطيها. ومن هذا المنطلق يؤطر هذا المقال مدى الأضرار البيئية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي وطبيعتها المعقدة عبر ثلاثة محاور رئيسية: انبعاثات الكربون، واستهلاك المياه، والتلوث الناجم عن استخراج المعادن النادرة. ويوضح تعقيد هذه الأضرار ضرورة إحداث تغير مجتمعي ملموس لمواجهة الآثار البيئية للذكاء الاصطناعي.
وإذا كان للترجمة أن تحدث تغييرا اجتماعيا إيجابيا، فمن الضروري النظر في كيفية إفراز الأطر السردية للمشاكل الاجتماعية لافتراضات بخصوص حل هذه المشاكل (Baker، 2019). وقد ركزت الأطر السردية السائدة التي تتناول مشكلة الأضرار البيئية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي وحلولها المطروحة على المبادرات التطوعية للاستدامة لدى الشركات (مثل معادلة الكربون وتعهدات المياه الإيجابية)، والكفاءة التقنية، والممارسات الإفصاحية المطورة. وحسب المناقشة المختصرة الواردة في هذا المقال، فقد ثبت فقر جميع هذه التوجهات خاصة مع طغيان الانتشار الواسع في استخدام الذكاء الاصطناعي إجمالا على التحسينات التي ترفع كفاءة النماذج (Varoquaux وآخرون، 2024؛ Bhardwaj وآخرون، 2025؛ Luccioni وآخرون، 2025). ويعتمد النقد الأكثر حدة لأضرار الذكاء الاصطناعي على مستوى الكوكب على إطار الحدود الكوكبية (Rockström وآخرون، 2009) والذي يقيّم الآثار التراكمية لهذه التقنيات على النظم الحساسة لكوكب الأرض ومحدودية موارده (انظر Falk وآخرون، 2024؛ Bhardwaj وآخرون، 2025). ويوضح مجمل المقال أن القوة الاقتصادية المركزة للصناعة التقنية عامل مؤثر للغاية على تشكل استهلاك الموارد وتسارعه فيما يخص الذكاء الاصطناعي (Hogan وBlue، 2024؛ Kwet، 2024). ويشكل تركز السلطة لدى عمالقة التكنولوجيا هيمنة واضحة ينبغي مواجهتها عند وضع أجندة ترجمية مناهضة للهيمنة تتمركز حول التكاليف البيئية للذكاء الاصطناعي.
وكثيرا ما تؤدي الاختلالات في توازن السلطة إلى درجة عالية من الإبعاد فيما يتعلق بالأشكال المترابطة لاستهلاك الموارد. ويعني الإبعاد “الانعزال المتزايد لاختيارات الاستهلاك نتيجة لانقطاع صناع القرار المتحكمون في نقاط فردية عن الفهم المؤطر لتبعات اختياراتهم على المسارين الصاعد والهابط” (Princen وآخرون، 2002، ص16). ويطرح Princen (2002، ص129) ما مفاده أن خفض المسافة يقلل تشتت المسؤولية بين شبكات صناع القرار المسؤولين عن سلاسل الإنتاج، ما يشجع عمل حلقات الاسترجاع التي تحد من الاستهلاك الزائد للموارد وتمنع حدوث التفسخ البيئي. وبإمكان الترجمة تأدية دور محوري في الحد من الإبعاد عن طريق تعزيز الوصول إلى المعلومات للمجتمعات الطليعية وتغذية حركات التضامن الدولية الداعمة لمقاومة الممارسات الاستخلاصية (Piñeiro، 2022).
ويتناول هذا المقال بالتفصيل وجود درجة عالية من الإبعاد لدى نقاط سلسلة الإنتاج العالمي ومنها تأسيس مراكز البيانات، وبناء على ذلك تتطلب مواجهة الأضرار البيئية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي تخطي حدود السياقات المحدودة التي يصادف فيها المستخدمون النهائيون (ومنهم ممتهنو الترجمة) هذه التقنيات، وذلك لمواجهة القوى الهيكلية الموجهة للاستخدام المتنامي للذكاء الاصطناعي في المجتمع بأسره وعلى وجه الخصوص التحكم الأحادي لعمالقة التكنولوجيا في سلسلة الإنتاج العالمية للذكاء الاصطناعي. وعليه يمكن تصنيف استراتيجيات المقاومة على مستويين أو حسب معيارين: الأول هو المقاومة المهنية والتي تعني الاستراتيجيات التي تحد من الآثار البيئية للتقنيات اللغوية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والتي تطبق داخل صناعة الترجمة، ويبرز هذا المنظور الترجمة بوصفها مهنة هي بالفعل متداخلة للغاية وبشكل متزايد مع تقنيات الذكاء الاصطناعي. أما الثاني فهو المقاومة الهيكلية والتي تعني الاستراتيجيات التي تتحدى مباشرة القوى الهيكلية الأوسع المسؤولة عن تكثيف العمليات الاستخلاصية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي والتوسع فيها في المجتمع ككل. ويبرز هذا المنظور الترجمة بوصفها ممارسة لديها قدرة كبيرة على دعم الوصول الحيوي للمعلومات وحركات التضامن العابرة للحدود.
ويطرح المقال إجراءات مستحسنة للمقاومة المهنية والمقاومة الهيكلية، ومع الاعتراف بتشكيل استراتيجيات المقاومة المقترحة في هذا المقال قائمة أولية منقوصة، فلربما تمثل نقطة انطلاق تمكن المترجمين من تدبر إجراءات ملموسة لمقاومة الأضرار البيئية للذكاء الاصطناعي عن طريق الحد من الإبعاد، كما تبرز هذه التوصيات الجهود ذات الصلة لجماعات النشطاء القائمة وتستلهم نجاحاتها. ويعتبر مفهوم الإبعاد مفيدا في تعيين هياكل السلطة الضامنة للممارسات الاستخلاصية واسعة الانتشار المصاحبة لسلسلة إمداد الذكاء الاصطناعي والوقوف في وجهها. وبالإضافة إلى ذلك، تستلهم الإجراءات المطروحة في هذا المقال التقاليد الغنية لترجمة النشطاء والتي نشأت بشكل أساسي في الجنوب العالمي (انظر Gould وTahmasebian، 2020)، كما تتعامل مع نشاط النشطاء باعتباره يشتمل على مواجهة السلطة (Bandia، 2020). وتطبق هذه الإجراءات المستحسنة تركيز Piñeiro (2026) على الحاجة للربط بين الترجمة والبحث الترجمي عن طريق إجراءات مقاومة ملموسة تنخرط في النزاعات التاريخية الرافضة للاستخلاص والتي انطلقت في الجنوب العالمي قبل ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي بكثير.
ينبغي إحداث تحول جذري في المنظور لمواجهة الأضرار البيئية لتقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة داخل مهنة الترجمة وخارجها. ويؤكد هذا المقال أن مهمة عمالقة التكنولوجيا الرامية للنمو مهما كانت التكلفة هي القوة الرئيسة وراء الأضرار البيئية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، وذلك في ظل ترسخ السلطة لدى مقدمي الخدمات السحابية الذين يسهمون في الإبعاد البالغ على امتداد سلسلة الإنتاج العالمي للذكاء الاصطناعي. وكما يطرح المقال فإن المقاومة الفعالة لهذه الأضرار البيئية تتطلب الحد من هذا الإبعاد عبر ممارسات ترجمية استراتيجية على المستويين المهني والهيكلي.
*
عرض موجز: كيفية الترجمة على خشبة المسرح: دور فرانكا رامى في تاريخ الترجمة
آنا سارولدي Anna Saroldi
ترجمة محمد أبو عمر Mohammad Aboomar
هذا العرض الموجز مستمد من المقال الكامل والذي يمكن قراءته هنا: المقال.
يدرس هذا المقال الشراكة الإبداعية للممثلين والكاتبين المسرحيين فرانكا رامى وداريو فو، فعلى الرغم من فوز داريو فو بجائزة نوبل عام 1997 بقيت رامى شريكته في التأليف ومعاونته مستبعدة من التكريم الدولي. وقد أبرزت بعض الجهود الأكاديمية المنشورة مؤخرا إسهامها المحوري الذي لم يتوقف عند المسرح النسوي على مستوى العالم، بل امتد إلى كونها كاتبة ومحررة وناشرة لأعمالها هي وفو. ويسهم هذا المقال في ذلك النقاش عبر إبراز دورها المحوري كفاعلة وممارسة فيما يخص الترجمة.
يتبنى المقال منهجيا المطالبات حديثة العهد بتطوير توجه “حساس تجاه الأداء” لتحليل الترجمة، مع إرفاق هذا التوجه بالبحث الأرشيفي في الترجمة المسرحية، وهو توجه لم يتم استخدامه بشكل كاف (Marinetti وDe Francisci، 2022). وتنظر هذه المشاركة التي تعتمد على Marinetti(2013) في المناحي اللغوية والمسرحية والأدائية للترجمة المسرحية عبر عدسة موحدة، حيث تحاول تفادي التفرقة بين مراحل قائمة بذاتها، فتركز عوضا عن ذلك على توازي هذه المناحي وتأثيرها المتبادل على المسرح.
يطرح المقال ما مفاده أن النجاح الدولي لفو سببه الأساليب الترجمية المبتكرة لرام، والتي مكنتهما من تمثيل أعمالهما المشتركة في الخارج والحصول عبر ذك على التقدير خارج إيطاليا والمناطق التي تتحدث الإيطالية. أول استراتيجية كانت الترجمة على خشبة المسرح: عندما سافر رامى وفو للقيام بعروض فردية مثل المسرحية الغامضة الكوميدية (Comic Mystery Play) والخدمة الكاملة سرير وإقامة وكنيسة (All Bed, Board, and Church) كانا يقومان بتأدية جزء من العرض بالإيطالية بمصاحبة ممثل يرافقهما على المسرح للقيام بالترجمة المتعاقبة لما يقولانه إلى لغة الجمهور. ويفتح القيام بالترجمة على المسرح في هذه اللحظات الباب للارتجال الذي يوفر لرامى وفو فرصا لمواقف كوميدية جديدة ناجمة عن الأخطاء والاختلافات. أما الاستراتيجية الثانية والأهم فهي اختراع رامى لطريقة تتيح استخدام الشفافات للترجمة المصاحبة المسرحية، فقد سمح تطبيق هذه التقنية لها ولفو بتمثيل اسكتشات اللهجات الزائفة على المسرح دون الحاجة لمترجمين مصاحبين. كانت تلك لحظة فارقة في تاريخ الترجمة لأن الترجمة المصاحبة لم تكن واسعة الاستخدام في ذلك الوقت ولأن الابتكار التقني لرامى سابق على انتشار الترجمة المصاحبة في الأوبرا. ويعني التركيز على دور رامى في تحضير الترجمة المصاحبة لعروضها هي وفو في الخارج أن هذا المقال لا يكتفي بإبراز إسهامها المحوري في شهرة فو، بل يعيد تسليط الضوء عليها باعتبارها فاعلة رئيسية في تاريخ الترجمة المسرحية وهو الجانب الأهم.
تركز دراسة الحالة التي أجريتها على العرض الذي أقيم عام 1986 لمسرحية الخدمة الكاملة سرير وإقامة وكنيسة (All Bed, Board, and Church) عندما صاحبت رامى على المسرح ماريا كونساغرا. ويمكن مناقشة هذا العرض الختامي لهذه الجولة الأمريكية بفضل التسجيلات التي عثرت عليها وتمكنت من تعريفها، كما يصاحب تحليل التسجيلات البحث في بكرات الترجمة المصاحبة التي بقت وحفظت في أرشيف رامى-فو بمدينة فيرونا. وقد تمكنت بواسطة التحليل المدمج للمصادر الأرشيفية المرئية والمكتوبة من إعادة بناء الديناميكيات متعددة المراحل للترجمة على خشبة المسرح ونشأة هذه الترجمة.
يناقش القسم التالي من المقال تفاصيل اختيارات رامى وتفضيلاتها كمترجمة بعيدا عن خشبة المسرح، وذلك لكون رامى هي التي تولت ترجمة اسكتشات اللهجات الزائفة لها ولفو إلى الإيطالية من أجل إصدارها ضمن أعمالهما المطبوعة. والجدير بالذكر أنها قامت بذلك لكي توفر للمترجمين المستقبليين لأعمالهما نسخة إيطالية يمكن استخدامها كنص مصدري. وكما توضح الأمثلة المختارة، فإن رامى تعتبر مترجمة متحفظة حاولت الالتزام لفظيا بنص اللهجات الزائفة قدر الإمكان، وهذا يتماشى مع تفضيلاتها للترجمة على خشبة المسرح، فكلا الاستراتيجيتان تخدمان بطبيعتهما رامى وفو لكونهما يمكنانهما من الاحتفاظ بالسيطرة التأليفية على أعمالهما حتى عندما تنتقل هذه الأعمال إلى لغات أخرى غير الإيطالية.
ويشير المقال بشكل أوسع إلى الأدوار الجندرية التي يؤديها القرينان فيما يتعلق بالتأليف والترجمة، فكما اتضح تولى فو دور التأليف إجمالا ولم يشارك في تحرير الأعمال ونشرها وترجمتها وأرشفتها، أما رامى فقد تولت بالإضافة إلى المشاركة في التأليف والكتابة الإشراف على جميع المراحل الأخرى وكانت صاحبة القرار في حفظ المسودات والمواد وتخزينها، ما أدى إلى تأسيس أرشيف مشترك لأعمالها هي وفو، وعلى الرغم من ذلك فإن عملها كمحررة وأمينة أرشيف ومترجمة (كما أوضحت) عادت بالفائدة على فو بالدرجة الأولى.
*
عرض موجز: انتقاء البقاء: دور الترجمة في تشكيل اقتصادات العاطفة في تغطية “سي إن إن” للحرب على غزة
هشام م. علي Hisham M. Ali
ترجمة: هشام م. علي Hisham M. Ali
إن هذا الموجز تلخيص لمحتوى المقال، وبإمكانكم قراءة المقال كاملاً: المقال.
أظهرت دراسات الترجمة أن الترجمة تسهم في تشكيل سرديات الصراع عبر التحكم في تضمين بعض الأصوات واستبعاد أخرى. وفي هذا الصدد تجادل منى بيكر (2006) بأن الترجمة تشكل جزءًا من “مؤسسة الحرب” من خلال نشر سرديات تسهم في بناء البيئة الفكرية والأخلاقية التي تبرر العنف. وإذا كانت الترجمة تشارك في تشكيل هذه المؤسسة، فإن الأثر العاطفي يصبح عنصرًا أساسيًا في هذه العملية؛ إذ إن سرديات الصراع تحشد مشاعر التعاطف والغضب واللامبالاة عبر ما تنقله الترجمة من تمثيلات إنسانية للنزاع. ورغم ذلك، فما زال البعد العاطفي في الترجمة الصحفية في سياقات النزاعات محدود التناول، ذلك أن معظم البحوث تركز على مشاعر المترجم وذاتيته وأخلاقياته أكثر من تركيزها على كيفية توجيه الترجمة استجابات الجمهور في سياقات النزاعات.
يحول هذا المقال التركيز من ذاتية المترجم إلى دور الترجمة الصحفية في بناء استجابات عاطفية تجاه الصراع. ويستند في ذلك إلى نظرية “اقتصادات العاطفة” لسارة أحمد (2004)، التي تفترض أنّ المشاعر لا تُختزل في الأفراد، بل تتحرك بين الأجساد والنصوص والرموز والذاكرة التاريخية، وتكتسب قوة اجتماعية وسياسية عبر التكرار والارتباط. يوفر هذا الإطار النظري مجموعة من الأدوات التحليلية، من بينها قابلية العاطفة للالتصاق (أي ميلها إلى الارتباط بشخصيات أو رموز بعينها عبر التكرار)، وحركتها الجانبية عبر سلاسل من الارتباطات، وارتدادها إلى الذاكرة التاريخية، فضلًا عن دورها في تشكيل الهوية الجمعية. وتُمكن هذه الآليات من تحليل الكيفية التي تلتصق بها المشاعر بأجساد أو ذوات محددة، وكيف تكتسب قيمة متراكمة أثناء تداولها وانتقالها، وكيف تسهم في تشكيل أنماط الاعتراف والإقصاء ضمن خطاب الصراع.
يطور هذا المقال هذا التصور المفاهيمي من خلال تحليل سردي لأحد عشر تقريرًا ميدانيًا باللغة الإنجليزية نشرتها شبكة “سي إن إن” خلال الفترة من أكتوبر 2023 إلى أبريل 2025، ويتضمّن كل منها شهادات فلسطينية مترجمة من غزة. وقد جرى تحديد هذه التقارير الميدانية عبر بحث منهجي في أرشيف “سي إن إن”، ثم تحليلها بالاستناد إلى المقاربات الأربع لتحليل السرد كما صاغتها كاثرين ريسمان (2008)، وهي: المقاربة الموضوعاتية، والبنيوية، والحوارية/الأدائية، والبصرية. ويتعامل هذا النهج مع الشهادات بوصفها بناءات سياقية تتشكل معانيها العاطفية من خلال الدور الوسيط الذي تؤديه الترجمة والتأطير التحريري، مع إيلاء تركيز خاص لكيفية تبلور الأنماط المتكررة عبر التقارير الميدانية، إلى جانب الكيفية التي تُنتج بها الاختيارات البنيوية قوّة عاطفية مؤثرة.
تظهر نتائج الدراسة أن هذه الشهادات تُنتج اقتصادات عاطفية تتمحور أساسًا حول الحزن والعجز، وتلتصق على نحو غير متكافئ بفئات بعينها، هي: النساء والأطفال والصحفيون. تمنح التقارير الميدانية حضورًا مكثفًا لهذه الفئات، لتغدو القنوات الرئيسة التي يُصبح من خلالها الألم الفلسطيني قادرًا على إثارة الاستجابة العاطفية لدى الجمهور العالمي. فالنساء والأطفال يؤدّون دورًا نمطيًا بوصفهم رموزًا للبراءة ضمن الخطاب الإنساني، في حين يشغل الصحفيون موقعًا أكثر تعقيدًا، إذ تستمد الحمولة العاطفية لشهاداتهم من السلطة الأخلاقية لفعل الشهادة ومن شبكات التضامن المهني داخل الحقول الإعلامية. ويترتب على هذا التوزيع غير المتكافئ للعاطفة تداعيات سياسية حيوية، إذ يصبح الظهور العاطفي شرطًا مسبقًا للوصول إلى الرعاية، بل للبقاء على قيد الحياة، بما يعزّز تراتبيات تحدّد أيّ الحيوات يتعين الحفاظ عليها وأيّها يظل خارج نطاق الاهتمام العالمي.
تُظهر الدراسة أنّ الترجمة تعمل عبر آليات لغوية منهجية تنظم شدة العاطفة ومسارات تداولها. وتشمل هذه الآليات انزياحات في المقامية أو الجهة الخطابية (modality shifts) تُحول صيغ التخفيف إلى صيغ تكثيف، وتقطيعًا نحويًا وإيقاعيًّا
(syntactic and prosodic segmentation) يزيد من البروز العاطفي، وإيضاحًا تقويميًا (evaluative explicitation) يوجه الأثر العاطفي، وإعادة محاذاة إشارية (deictic realignment) تجرد الأصوات المتموضعة سياقيًا من خصوصيتها لتحويلها إلى هويات قابلة للتداول. وتحدد هذه التدخلات ليس فقط ما تقوله الشهادات، بل ما تنجزه عاطفيًا، أي أين تلتصق المشاعر، وكيف تتداول، وما أنماط الاستجابة التي تُنتجها. وانطلاقًا من الإطار النظري لسارة أحمد، يوسع المقال هذا التصوّر عبر تقديم إعادة التسييم (resemiotization) بوصفها آلية مركزية تنظم شدّة تدفق العواطف واتجاهتها في آنٍ معًا، إذ تشير إعادة التسييم إلى الكيفية التي تُعاد بها قولبة الشهادات المترجمة تدريجيًا عبر أنماط تمثيل متعددة تشمل سرد المراسل، وإعادة صياغة ترجمة الشهادات، والاقتباسات المباشرة، والمقاطع المرئية المصحوبة بترجمة نصية أو تعليق صوتي. ويُعيد كل نمط من هذه الأنماط ضبط الحمولة العاطفية للمعاناة مولدًا إيقاعًا عاطفيًا ينسّق مسارات التداول، بما يفضي إلى توجيه الحمولة العاطفية نحو الاستجابة الإنسانية والإغاثية، على حساب النقد السياسي والانخراط المستمر في تحليل العنف البنيوي.
تتشكل اقتصادات العاطفة بالتوازي مع عملية احتواء للشهادات، تُعاد فيها صياغة السرديات المشحونة سياسيًا بلغة المعاناة الإنسانية المؤثرة عاطفيًا؛ حيث يجري التركيز على الهشاشة العاطفية والضعف الاجتماعي للأفراد، على حساب توجيه نقد مستدام للحرب والاحتلال. ويُعاد تأطير الشهود الفلسطينيين ضمن خطاب إنساني يحد من فاعليتهم السياسية، ويقدمهم كضحايا يحتاجون إلى التدخل الإنساني، بدل الاعتراف بهم كفاعلين يطالبون بالعدالة أو المقاومة أو السيادة. ويجري هذا الاحتواء عبر آليات متعددة، من بينها الاستخدام المجزأ للترجمة بما يجرد الشهادات من سياقها الأوسع، وحذف الإشارات إلى المسؤولية الجماعية، وتذويب الفاعلية عند توصيف العنف البنيوي. فتنتج هذه العملية حضورًا عاطفيًا منفصلًا عن القوة السياسية، يُتاح فيه الشعور بالحزن، فيما تُحيد المظالم التي تقف خلفه.
تبين الدراسة أن اقتصادات العاطفة تترتب عليها عواقب مادية ملموسة. فالصحفيون والأمهات والأطفال الذين تتركز عليهم التغطية الإعلامية يحصلون على الإجلاء الطبي والمساعدات الإنسانية، لأن إبراز معاناتهم على نحو عاطفي يجعلهم في موقع يستدعي استجابة دولية سريعة. وفي المقابل، يظل ضحايا آخرون خارج بؤرة الاهتمام الإعلامي، فلا تحظى معاناتهم بالدرجة نفسها من الاعتراف أو التدخل. ويكشف هذا الانتقاء في التغطية دور العاطفة بوصفها قوة سياسية حيوية، إذ تحدد وسائل الإعلام العالمية أي المعاناة يمكن تسليط الضوء عليها، وأي المشاعر يمكن تضخيمها، وأيها يمكن تهميشها، الأمر الذي يقيد عمليًا الوصول إلى الموارد الضرورية للبقاء ويسهم في ترسيخ تراتبيات تجعل بعض الأرواح أولى بالرعاية والحماية من غيرها.
بوجه عام، تسهم هذه الدراسة في إعادة تموضع العاطفة من كونها مسألة هامشية في دراسات الترجمة إلى اعتبارها آلية مركزية تتشكل من خلالها علاقات القوة في الإعلام العالمي. ويتيح الإطار التحليلي المُعتمد هنا أدوات لفحص الكيفية التي توجه بها الترجمة استجابات الجمهور عاطفيًا وسياسيًا، فتحدد أي معاناة تستدعي التفاعل وأيها يقصى عن دائرة الاهتمام. ولا تقتصر دلالات هذه النتائج على هذه الدراسة فحسب؛ إذ إن فهم الكيفية التي تنتج بها الترجمة تراتبيات عاطفية يظل أمرًا أساسيًا لتحليل التداول العالمي لسرديات الصراع، وللكشف عن السياسات الكامنة في تمثيلات تبدو إنسانية في ظاهرها. وتظهر الدراسة أن الترجمة تسهم في خلق الظروف التي تجعل بعض الأرواح موضع رثاء واعتراف، فيما تبقى أرواح أخرى على هامش الاهتمام الإنساني. ومن ثمّ، يرسخ هذا الاستنتاج أهمية العاطفة بوصفها عنصرًا مكونًا للطريقة التي يقرر بها الإعلام العالمي أي الأصوات تستحق أن تُسمَع وأي المعاناة ينبغي الاستجابة لها.

يهتم موقع “ترجمان” بمجال الترجمة في العلوم الإنسانية والاجتماعية والأدب، وهو مشغول بطرح الجدالات عن الترجمة دراسة وتطبيقا، ويهتم بأخبار الترجمة في العالم العربي، وبدراسات الترجمة في العالم، والنقاش مع المترجمين عن تجاربهم، وإقامة مجتمع من المترجمين لرفع الوعي بأوضاع مهنة الترجمة وأخلاقياتها.

