صائغو الكلمات متعددو اللغات (الجزء الثالث): إديث جروسمان
حوار ليزل شيلينجر مع إديث جروسمان
ترجمة شيماء بدير
نشرت في مجلة مراجعات لوس أنجلوس للكتب – ٢٦ مايو ٢٠١٦
إذا كنت من متحدثي اللغة الإنجليزية وقرأت “الحب في زمن الكوليرا” للكاتب غابرييل غارثيا ماركيز؛ أو “حفلة التيس” لماريو فارغاس يوسا؛ أو شعر لويس دي جونجورا، أو أرييل دورفمان، أو الراهبة المكسيكية ذات فكر سابق لعصرها، سور خوانا إينيس دي لا كروث؛ فمن المحتمل أنك قرأت هذه الأعمال باللغة الإنجليزية، وليس بالإسبانية، من خلال مصفاة دقيقة الضبط لترجمة إديث جروسمان.
يضم تاريخها على مدار نصف قرن على أعمال فريدة خالصة ومنها رواية إسبانية ربما تكون قد سمعت عنها: رواية “دون كيخوته” رواية لميجيل دي ثيربانتس. في كتابها غير القصصي المثير “لماذا تعتبر الترجمة مهمّة”، توضح “جروسمان” أن هذا الفن المعقد وهذه المهنة “تساعدنا على المعرفة، والرؤية من زاوية مختلفة، وإضفاء قيمة جديدة على ما قد يكون غير مألوف في السابق”، تكتب: “البديل لا يمكن تصوره”. ومع ذلك، في فترة مراهقة “جروسمان” في فيلادلفيا، لم يخطر على بالها بالضرورة أنها ستكبر لتصبح واحدة من أكثر مترجمي اللغة الإسبانية موهبة واحترامًا في العالم.
في بيتها، كانت اللغة الإنجليزية هي اللغة الوحيدة المستخدمة، مع قدر وافر من اللغة اليديشية وقليل من اللغة المجرية. في حوارنا، تسترجع أصول علاقة حبها مع اللغة الإسبانية، وتعيد النظر في أعمالها الأدبية التي تعتز بها، وتوضح أن “الترجمة هي عمل بَدَهيّ بقدر ما هي عمل لغوي”.
ليزل شيلينجر: هل نشأتِ كمتعددة اللغات؟
إديث جروسمان: لقد نشأت على قدر ما من اللغات ليس تعدد لغات حقيقي؛ كنت أتحدث الإنجليزية بشكل أساسي، ولكن عندما أراد والداي أن يقولا أشياءً لا أفهمها، كانا يتحدثان باللغة اليديشية، ثم عندما كانت والدتي غاضبة جدًا كانت تسب وتلعن باللغة المجرية؛ لكنني لم أفهم تمامًا ما كانوا يقولونه. كنت أعرف بعض الكلمات اليديشية لأنني نشأت في حي يهودي في فيلادلفيا. المرة الوحيدة التي تحدثت فيها باللغة اليديشية كانت عندما كنت في اسطنبول، وكان سائق سيارة الأجرة يتحدث الألمانية، وأنا تحدثت اليديشية، وتمكنا من معرفة إلى أين نذهب وكم التكلفة. لكن أعتقد أن الإجابة الحقيقية هي أنني نشأت أحادية اللغة.
شيلينجر: من أي اللغات تترجمين؟
جروسمان: الأسبانية فقط.
ش: ما الذي جذبك إلى اللغة الإسبانية؟
ج: في مسيرتي المهنية غير المستقرة كطالبة قبل الجامعة، كانت المعلمة الوحيدة التي يمكنني تحملها هي معلمة اللغة الإسبانية في المدرسة الثانوية، لذلك قررت أن كل ما فعلته سأفعله. كان ذلك في فيلادلفيا. تخصصت في اللغة الإسبانية في الكلية، وأتممت دراستي العليا في الأدب الإسباني وأدب أمريكا اللاتينية. ذهبت إلى جامعة بنسلفانيا، ثم كنت في جامعة كاليفورنيا في بيركلي لبضع سنوات، ثم حصلت على درجة الدكتوراه في جامعة نيويورك.
ش: ما الذي جعلك تقرر البدء بالترجمة؟
ج: بطريقة ما، لم يكن هذا قراري. كان صديقي، رونالد كريست، محرر مجلة “ريفيو – Review” التي كانت تصدر مما يسمى الآن بجمعية الأمريكيتين. وطلب مني رونالد أن أترجم قصة للمجلة، فقلت له: “رونالد، أنا لست مترجمة، أنا ناقدة”، فقال: “سم نفسك كما تريدين؛ فقط ترجمي هذه القطعة اللعينة لأجلي”. لقد كانت قصة كتبها الأرجنتيني، ماسيدونيو فرنانديز -كان من الجيل الذي سبق بورخيس، وكان في عمر والد بورخيس، وربما كان الكاتب والرجل الأكثر غرابة الذي قابلته في حياتي المهنية الطويلة. لقد كتب نصوصًا مذهلة، وكما اتضح فيما بعد، كانت ترجمتي هي أول قطعة نثرية له تُترجم إلى الإنجليزية- ولم أكن أعرف ذلك حتى في ذلك الوقت. أعتقد أنه كان يجب أن يكون في أوائل السبعينيات. كانت القطعة تسمى “جراحة إزالة النفس”، وهي عملية جراحية يمكن أن تزيل ثماني دقائق من الذاكرة.
ش: آه، كما في فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind؟
ج: نعم! أعني، إنه أمر غريب جدًا، ومضحك جدًا، ولكنه ليس مضحكًا حقًا -إنه أمر مخيف أن يتم استئصال ذاكرتك. بدأت أترجم وقتها أكثر فأكثر، واكتشفت أنني استمتع بها حقًا، وأنني أستطيع العمل في المنزل، وهو مكاني المفضل للعمل، لذلك ترجمت أكثر فأكثر على مر السنين. كنت أعمل كمترجمة ليلا، ونهارًا كنت أعمل بالتدريس في الجامعات. درست في جامعة نيويورك في عدة كليات، وفي جامعات أخرى تابعة لمدينة نيويورك، وكذلك في كلية كاثوليكية صغيرة شمال الولاية تسمى الدومينيكان. ثم في أحد الأيام، قررت ترك التدريس والتفرغ للترجمة، وسألني أحد المحررين في كنوبف: “هل يمكنك حقًا العيش على ما تكسبه كمترجم؟” فقلت: “أملك ألفي وواحد وصفة لطهو الفاصولياء، فأظن أن واحدة منها ستنجح.. في جيبي الكثير من الحيل”. وما زلت أدرس حتى الآن، ولكن محاضرة واحدة فقط كل عام في جامعة كولومبيا. أحب التدريس، لكني لا أحب أن أكون أكاديمية بدوام كامل. أحب أن أكون في الفصل الدراسي، وهذا ما أحبه حقًا، وأقوم بتدريس ماجستير الفنون الجميلة في الكتابة الإبداعية.
ش: كيف بدأتِ ترجمة أعمال غابرييل غارثيا ماركيز؟
ج: اتصلت بي دار “كنوبف” وسألتني إذا كنت أرغب في ترجمة رواية غارثيا ماركيز “الحب في زمن الكوليرا”. أعتقد أنها صدرت في أواخر الثمانينات أو أوائل التسعينيات. لقد فتحت لي الكثير من الأبواب. لقد كنت أترجم بالفعل لسنوات عديدة، ولكن عندما حققت تلك الرواية نجاحًا كبيرًا، واُعترفَ بي كمترجمة لغارثيا ماركيز، كانت تلك لحظة رائعة بالنسبة لي على المستوى المهني والشخصي.
ش: ما الذي تحبينه في الترجمة؟
ج: أكثر ما أحبه هو أنها تمنحني فرصة للكتابة كل يوم، ولا أواجه صفحة فارغة أبدًا؛ لدي دائما صفحة مليئة بالكلمات. كما أنني أكتشف حقًا حتى العظام الدقيقة للمؤلف عندما أترجم أعماله. عندما أقرأ كقارئ عام، أقول: “كان ذلك جيدًا حقًا”؛ لكن إذا ترجمتها أقول: “يا إلهي، هذه عبقرية مطلقة”. لقد شعرت بذلك دائمًا.
ش: هل تكتبين القصّ؟
ج: لا، في كل مرة حاولت فيها، كان الأمر يتلخص في قصيدة. لقد حاولت كتابة القصص، لكن لا أستطيع أن أفعل ذلك.
ش: ما الذي لا يعجبك في الترجمة؟
ج: تعني الجلوس على الكمبيوتر والشعور بألم في أصابعي؟ أو أن ظهري يؤلمني كثيراً؟ الجلوس كثيرًا أمر صعب؛ عليك أن تستيقظ كل ساعة. هناك أوقات أقوم فيها بالترجمة سبعة أيام في الأسبوع. عندما كنت أصغر سناً، كنت أقضي سبع ساعات في اليوم، لكن الآن لم أعد أقضي سوى خمس ساعات. لقد انتهيت للتو من مجموعة روايات قصيرة لـثربانتس -الروايات النموذجية- لديه اثنتا عشر رواية قصيرة، وآخر ترجمة كاملة لها باللغة الإنجليزية نُشرت عام 1885، لذا يبدو الأمر كما لو أنها لم تُترجم من قبل. وأعمل حاليًا على رواية رائعة لكاتب يدعى كارلوس روخاس، وهو إسباني يعيش في أتلانتا. من الصعب شرح ذلك بسبب عناصرها الفانتازية، اسمها “وادي الشهداء”، وهو، كما تعلمين، النصب التذكاري الذي شيده فرانكو لنفسه والقتلى الفاشيين الإسبان بعد الحرب، بالقرب من الإسكوريال. شيد فيليب الثاني الإسكوريال -وهو نصب تذكاري لإسبانيا الكاثوليكية- وتبعه فرانكو في النهج نفسه بتشييد النصب التذكاري لإسبانيا الفاشية.
الشخصية الرئيسية هي مؤرخ فني، يحمل مصادفة اسم “فازاري”. وهو يكتب عن جويا؛ لا أستطيع أن أتذكر تمامًا مجريات الأمور في الرواية، لكن ما يحدث في النهاية هو أن هناك خلطًا بين فرانكو وفرديناند السابع، الذي كان أسوأ الملوك وأكثرهم رجعية بعد الحروب النابليونية. وقد انتهى المطاف بجيل كامل من الشعراء الرومانسيين الذين انتهى بهم الأمر في إنجلترا لأنهم لم يتمكنوا من البقاء في إسبانيا في ظل نظامٍ قمعي للغاية هكذا.
ش: هل لديك مفضلة من ترجماتك؟
ج: أنا حقًا فخورة جدًا بترجمتي لـ“دون كيخوته”. ثم شعر لويس دي جونجورا. خاصة كتابه “العُزلات”، والتي يُعد كتابًا شعريًا من أصعب ما كُتب في أي لغة. وترجمت أيضًا بعض قصائده وسونيتاته القصيرة ضمن كتاب مختارات شعرية.
ش: قرأت أن غابرييل غارثيا ماركيز قال إنه يفضل ترجماتك على كتابته الأصلية.
ج: لقد كان رجلاً طيبًا للغاية، وقد أخبر غريغوري راباسا بنفس الشيء. [ترجم راباسا كتاب غارثيا ماركيز “مئة عام من العزلة”، من بين أعمال أخرى للكاتب]
ش: ما الذي يميز ترجمة كاتب مازال على قيد الحياة؟
ج: ميزة ترجمة مؤلف مازال بيننا هي أنه يمكنك طرح الأسئلة عليه. لكنني لا أفعل ذلك إلا في النهاية. أنا حقًا أتركهم وشأنهم طوال الوقت تقريبًا، لأن شعوري هو أنه بمجرد أن يكتبوا كتابهم، فإنهم قد انتهوا منه وتجاوزوه إلى الكتاب التالي، لذا فأي سؤال سأطرحه سيعيدهم مرة أخرى إلى علم قد أنجزوه بالفعل، ويرغبون في أن يكونوا قد تجاوزوه تماما. أتحدث إليهم بعد أن أنتهي فقط وأسألهم أن يوضحوا لي نواياهم في المواضع التي لا أكون واثقة منها في الكتاب.
ش: عند ترجمة كتاب مترجم سابقًا، هل تستعين بالترجمات السابقة؟
ج: لا أنظر أبدًا إلى الترجمات الأخرى، ولا أريد أن يكون هناك صوت مترجم آخر في أذني، أريد أن أواجه النص بمفردي.
ش: هل يختلف هذا النهج عن نهج ليديا ديفيس؟ لقد أخبرتني في إحدى المرات أن لكِ ولها طرق مختلفة
ج: نشرت مجلة “باريس ريفيو” حوارًا بيني وبينها، واتضح فيه أننا نأخذ مسارات مختلفة تمامًا. أعتقد أنها قرأت في مرحلة ما كل ترجمة وضعت يدها عليها لـ”فلوبير”. أما أنا فأشعر بالعكس: “لا أريد هذا الصوت الآخر في رأسي”.
ش: فهمت؛ في الواقع، أخبرتني ليديا ديفيس أنها لا تطلع على الترجمات السابقة أثناء العمل على ترجمتها الخاصة. إذا فعلت، فهذا فقط بعد الانتهاء منها. هل تطّلعين أنتِ إلى الترجمات الأخرى بعد ذلك؟
ج: الجواب هو لا. استغرق الأمر مني قرابة عامين لترجمة كيخوته، وبعد أن أنهيتُ الجزء الأول، اعتقدت أنه بإمكاني البدء في الاطلاع على ترجمات أخرى واستخدامها كقواميس -فقد ترك أطفالي كتبهم المدرسية في شقتي. لكن في كل مرة كنت أراجع فيها ترجمتين مختلفتين للكلمة التي كانت تسبب لي صعوبات، أجد أن الترجمتين تختلفان، لذلك لم تكن مفيدة لي على الإطلاق.
ش: ماذا عن قراءة الكتاب الذي على وشك أن تترجميه قبل أن تشرعي في الترجمة؟ قالت ليديا إنها لا تفعل ذلك، ولكنها تعتقد أنك اعتدت على ذلك. ما هي طريقتك في العمل؟
ج: الأمر يختلف نوعًا ما. لقد ترجمت بعض الكتب بالطريقة التي تتبعها هي، أي بدأت في ترجمتها قبل قراءتها. في بعض الأحيان تكون المسألة مسألة وقت ومواعيد تسليم نهائية. فقراءة الكتاب تستغرق بعض الوقت، وأفضل أن أخصص هذا الوقت لترجمته. في المسودات الأولى، البدايات عادة ما تكون الجزء الأضعف في ترجماتي، في تقديري. كل ما هو خطأ يأتي في البداية، حين لا أكون قد تأكدت بعد من نبرة الصوت المناسب للكاتب والترجمة فأكتشفه تدريجيا أثناء العمل على الكتاب. وهناك العديد من المسودات -مسودات أكثر مما يشغلني عدها حتى.
أترجم المسودة الأولى بعناية قدر الإمكان، لأنني كلما اعتنيت بالبداية، قل الوقت الذي أقضيه في المراجعة النهائية. لكنني في الأصل محررة محترفة -أشكك دائما في اختياراتي- بذلك أبذل أقصى جهدي في المسودة الأولى، ثم عندما أعود إليها فلا تكون بالمستوى الكافي من الجودة الذي أريده، فأراجعها مرتين أو ثلاث مرات على الأقل. وبعد أن أسلمها، تعود إلي النسخة المنقحة تحريريا، وتستمر عملية المراجعة على هذا النحو إلى أن يقولوا: “تمت أخيرا”.
ش: هل تقرأين الكتب التي ترجمتها بعد صدورها؟
ج: أحاول جاهدة ألا أقرأ كتبي، لكن إذا كنت أقوم بتدريسها، فلا بد لي من قراءتها. لكنني لن أقرأها من أجل المتعة.
ش: ما الذي يجعل الترجمة جيدة؟
ج: يتعلق الأمر بمدى سلاسة الترجمة وراحتها باللغة الإنجليزية، إذ كنا نتحدث عن الترجمة إلى اللغة الإنجليزية. هناك ما يسمى لغة الترجمة translatorese -وهي لغة مختلفة لا وجود لها في الواقع. هناك رسم كاريكاتيري رائع يُظهر كاتبًا شديد التعاسة ومترجمًا في غاية الحيرة، وتحت الصورة تعليق: “ألست سعيدًا بي كمترجم لكتبك؟”.
ش: ما الذي يجعل الترجمة سيئة؟
ج: الترجمة الحرفية كلمة بكلمة، الوقوع في شرك الاعتقاد بأنك ستكون أكثر دقة أو أكثر إخلاصًا إذ فعلت ذلك، وهذا بالطبع غير صحيح. فالترجمات لا تقوم على النسخ واللصق، ثمة لغتان لا تتسعان لنفس المساحة في الوقت نفسه، لذا يتعين عليك إجراء تعديلات وتغييرات لتحويل لغة إلى أخرى.
ش: لماذا يجب على المتحدثين باللغة الإنجليزية قراءة الأعمال المترجمة، ماذا يستفيدون من قراءة الروايات من الثقافات الأجنبية؟
ج: إذا لم نفعل ذلك، فإننا نعزل أنفسنا عن معظم العالم. اللغة الإنجليزية هي اللغة المهيمنة هذه الأيام، ولكن ليس كل شخص في العالم يكتب باللغة الإنجليزية، ونحن نميل إلى ضيق الأفق تجاه الترجمة. أعتقد أنك إذا تحدثت إلى المحررين في نيويورك، فستجد أن اللغات الأجنبية التي يعرفونها تشمل الإسبانية والفرنسية، وربما بعض الألمانية، وربما القليل من الروسية، وكل ما عداهم يبدو غريبًا.، فنحن لا نتواصل عادة مع ثقافات وأدب تلك اللغات. نحن نضر أنفسنا كثيرًا إذا لم نقرأ ما يكتبه بقية العالم.
ش: هل تعتقدين أن المترجمين لا يحظون باهتمام كبير في العالم الأدبي، وإذا كان الأمر كذلك، فهل يتغير ذلك؟
ج: أعتقد حقا أنهم لا يحظون بالتقدير الكافي؛ فقد كان من الصعب عليّ جدًا أن اسمي على غلاف كتاب، لأن الناشرين الأمريكيين لم يرغبوا في أن يعلم الجمهور أن الكتاب الذي يمسكونه هو كتاب مترجم. كان لديهم اعتقاد أن الأمريكيين غير مهتمين بقراءة الترجمات، لذا أرادوا بطريقة ما إخفاء حقيقة أنه كتاب مترجم. منذ البداية، استعنت بمحامي للتفاوض على العقود. كما أخبر طلابي، عندما توقع عقدًا مع ناشر، فإنك توقع عقدًا مع شركة، ولديها مكاتب مليئة بالمحاميين، لذا قبل توقيع العقد، عليك أن تستعين بمحام قادر على تفسير المصطلحات القانونية. وهذه المصطلحات مصممة لتغطية الأمور وتشويشها، وليس المقصود أن يفهمه الناس العاديون.
ش: ما هو عملك غير الترجمة؟
ج: أدرس الكتابة في جامعة كولومبيا، وأعمل كأستاذ مساعد في مادة الترجمة ضمن قسم الكتابة، ولدي طلاب مهتمون بالترجمة.
ش: هل يوجد بكالوريوس ترجمة هذه الأيام؟
ج: عندما كنت طالبة، لم يكن هناك شيء اسمه دورة في الترجمة؛ في هذه الأيام، المزيد والمزيد من الجامعات أصبحت تقدم برامج دراسات الترجمة، سواء كانت تمنح درجة علمية فيها أم لا.
ش: هل أنتِ متفائلة بمستقبل الترجمة؟
ج: يعتمد الأمر على شعوري يوم ما توجهين لي السؤال. عندما أؤمن أن هناك مستقبل للأدب الجيد، الرواية والشعر، أعتقد أن الترجمة ستبقى معه. لكن في الأيام التي أظن فيها الناس بعد عشر سنوات لن يهتموا إلا بالصورة الافتراضية، أعتقد وقتها أن الأدب كله إلى زوال. الأمر يتغير من يوم لآخر حسب ما أشعر به.
ش: كم عدد الكتب التي ترجمتها تقريبًا؟
ج: أخبرني أحدهم مؤخراً أنهم حوالي ستين كتابًا، لكنني لا أعرف إذا كان هذا صحيحًا. فأنا أمارس هذه المهنة منذ سنوات طويلة.
ش: ما أكثر الترجمات التي استمتعت بترجمتها على الإطلاق؟
ج: سأعود إلى دون كيخوته، التي أعتقد أنها أفضل رواية كُتبت على الإطلاق بأي لغة وفي أي قرن -أي شيء يلمسه ثيربانتس يحوله ذهبا. إنه عبقري استثنائي. فهو يعرّف الأشياء بالطريقة التي يعرّف بها شكسبير الأشياء لنا. لا يمكنك التفكير في المسرح دون أن تتبادر إلى ذهنك مسرحيات شكسبير، كما أن ثيربانتس له نفس الأهمية بالنسبة للرواية.
ش: هل ترجمتِ لكاتبات؟
ج: “أجل، بالتأكيد! إحداهن هي “مايرا مونتيرو”، إنها كاتبة رائعة. هي كاتبة كوبية وتعيش في بورتوريكو. لقد ترجمت لها ست أو سبع من رواياتها. وسور خوانا إينيس دي لا كروز، إنها راهبة مكسيكية في القرن السابع عشر، وكانت شاعرة. لقد كتبت بعض السوناتات الرائعة وغيرها من الأشكال الشعرية الأخرى. ولها قصيدة طويلة جدًا، تشبه قصائد “العُزلات” للويس دي جونجورا، بعنوان “النوم الأول”. إنها شعر صعب للغاية ولكنها رائعة الجمال.
لقد كانت امرأة عصامية ومتعلمة، كانت تعرف الكثير عن الموسيقى والرياضيات والعلوم. التحقت بالدير في أواخر سن المراهقة، ولكن في مرحلة ما، هاجمها أسقف “بويبلا” كتابيًا، وكتب رسالة متظاهرًا فيها بأنه راهب، قائلًا : أليس من المؤسف جدا أن امرأة موهوبة تضيع وقتها في أمور دنيوية بينما هناك الكتاب المقدس لتدبره؟
ردت سور خوانا على ذلك برسالة أصبحت وثيقة مشهورة جدًا في تاريخ الحركة النسوية: فقد دافعت فيها عن حق المرأة في القراءة والكتابة والدراسة والتدريس واستخدام عقلها. وقالت، وأنا أعيد صياغة كلامها: “عقلها ليس فعلاً من إرادتها، بل هو هبة من الله ولا يمكنك إنكارها”. ثم قالت إنه لا توجد طريقة يمكنك من خلالها قراءة الكتاب المقدس دون خلفية في المعرفة الدنيوية. إنه أمر مذهل -أن تمر بلحظات مختلفة في الكتابات المقدسة الإنجيلية، حيث لا يمكنك فهم ما يُقال إلا إذا كنت تعرف الرياضيات والموسيقى- عليكِ أن تقرأي هذا يا ليزل؛ إنها وثيقة رائعة.
وكانت النتيجة بالطبع أنها تعرضت للتوبيخ وأجبرت على بيع مكتبتها -ويُقدر أنها امتلكت أكبر مكتبة في المكسيك- واضطرت إلى التوقف عن الدراسة والتخلي عن كل شيء في حياتها. لقد كانت بحق استثنائية ورائدة.
ش: هل يمكن للترجمة أن تحل محل الأصل؟
ج: العلاقة بين الترجمة والنص الأصلي هي العلاقة بين صورة المرآة والجسم الحي. تحدث ثيربانتس عن الترجمة في دون كيخوته، وقال إن قراءة الترجمة تشبه النظر إلى نسيج من الخلف، حيث ترى كل الخيوط المعلقة. أعتقد أن كتابة الترجمة هي فعل بديهي بقدر ما هي فعل لغوي.
ش: من هو المؤلف الإسباني الذي لا يقرأه الناس ولكن ينبغي أن يقرأوه؟
ج: كارلوس روخاس، الذي اعتبره أنه روائيًا رائعًا. لقد كتب الكثير باللغة الاسبانية. بالإضافة إلى “وادي الشهداء”، ترجمت كتاب آخر بعنوان “الفارس الشهير والشاعر غارسيا لوركا يصعد إلى الجحيم” -الفارس الشهير واللقب الذي أطلقه ثيربانتس على دون كيخوته. أعتقد أن روخاس يجب أن يكون مشهورًا أكثر مما هو عليه الآن. إنه مبدع وأصيل للغاية ومتقد الذكاء، وما زال على قيد الحياة بيننا: مؤلف حي يعيش في بلدنا.

