صائغو الكلمات متعددو اللغات (الجزء الرابع): آن جولدشتاين
حوار ليزل شيلينجر مع آن جولدشتاين
ترجمة شيماء بدير
نشرت في مجلة مراجعات لوس أنجلوس للكتب – 29 مايو 2016
كانت آن جولدشتاين أول مترجمة محترفة أقابلها في حياتي، لكن حين التقينا -قبل نحو ثلاثين عامًا في مجلة “ذا نيويوركر”- لم تكن قد أصبحت مترجمة بعد؛ في الواقع، لم تكن قد درست اللغة الإيطالية إلا لعامين فقط. في ذلك الوقت كانت تعمل مُحرِّرة لغوية (وظيفتها حتى الآن).
في عام 1992، ترجمت أول ترجمة لها عن الإيطالية -تقريبا بالمصادفة- وذلك كان لمساعدة صديق. كان المقال فصلا من مجموعة مقالات للكاتب “ألدو بوتسي”، وقد نُشر في مجلة “ذا نيويوركر”، ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف عن الترجمة، حيث ترجمت عشرات الكتب بينما كانت تدير قسم التحرير اللغوي في المجلة. خلال الخمس سنوات الماضية، حققت “جولدشتاين” مكانة استثنائية نادرًا ما يصل إليها مترجم، إذ أصبحت اسمًا معروفا بفضل ترجمتها الإنجليزية لـ”رباعية نابولي” السلسلة الأكثر مبيعًا للكاتبة “إيلينا فرّانتي” -أربعة روايات ساحرة، تملؤها العاطفة والأحداث السياسية المحتدمة، حيث تتناول مصير امرأتين تقابلا في صغرهما في نابولي بعد الحرب العالمية الثانية. وقد بيع أكثر من مليون ونصف نسخة من ترجمات “جولدشتاين” لتلك السلسلة في أمريكا، والمملكة المتحدة وأستراليا.
وفي مطلع هذا العام، نشرت جريدة “وول ستريت” مقالا عنها بعنوان: “آن جولدشتاين.. نجمة ترجمة الأدب الإيطالي”، وكان ذلك بمثابة تتويج طريف لامرأة متواضعة لا تُحب التباهي بإنجازاتها. في حديثنا، عدنا معًا إلى بدايات رحلتها في الترجمة، وتذكرنا بعض المحطات الأدبية البارزة التي شهدتها خلال مسيرتها.
ليزل شيلينجر: لقد حققتِ بالفعل نجاحًا باهرًا مع إيلينا فرّانتي. أخبرني مايكل هوفمان أنه شعر بالذنب لأنه يحصل على قدر من الاهتمام أكثر من بعض المترجمين، لأنه معروف أيضًا كشاعر وناقد. ما هو شعورك بعد أن تلقيت هذا القدر الكبير من الاهتمام بترجماتك، وبهذه السرعة؟
آن جولدشتاين: الأمر غريب كليا، غير مألوف بالنسبة لي. لكنني أظن أن هذا أمر جيد لجميع المترجمين، وليس لي فقط. أعتقد أنه يلفت الانتباه إلى حقيقة أن الكتب لها مترجمون. وهذا يبدو لي أمر جيد للغاية.
ش: هل فاجأك لقب “مهووسة فرّانتي”، كما يطلقون على الأمر؟
ج: لقد تفاجئت قليلًا بطبيعة الحال -ليس لأنني لا أعتقد أن الكتب جيدة، فهي جيدة حقًا- لكن لأن كتبًا كثيرة جيدة أخرى لا تحظى بهذا القدر من الاهتمام. أما مع كتب “فرّانتي”، فالأمر لا يتعلق بالاهتمام، بل بكثرة قرائها.
ش: ما اللغات التي تترجمين منها؟
ج: الإيطالية. بدأت دراستها عام 1986؛ كان لدينا صف لدراستها في مجلة “ذا نيويوركر”. كانت ماري نوريس -محررة لغوية مخضرمة في نيويوركر، ومؤلفة كتاب “بيني وبينك: اعترافات ملكة/ خبيرة الفواصل”- هي منظمة الصف. وفي السنة الأولى، كانت “دوناتيلا لورتش” معلمتنا؛ ثم في السنة التالية قرأنا “دانتي” مع شقيقتها، لافينيا، التي أصبحت لاحقًا رئيسة معهد تعلم اللغة الإيطالية في نيويورك. كانت والدتهما أستاذة للغة الإيطالية في جامعة كولومبيا. كانت ماري تدرس اليونانية في جامع كولومبيا، وكانت “لافينيا” زميلتها في الصف -ومن هنا بدأت الحكاية. كنت أنا من أراد تعلم الإيطالية، لكن ماري هي صاحبة الصلة من الأصل. وواصلنا الدراسة لسنوات بعد ذلك. أعتقد أنكِ ربما حضرت أحد الصفوف، “ليزل”؟! حضر الكثير من الناس في البداية. وبعد فترة، بدأ “ميكيلي كاتشوتّولو” -وهو من معارف لافينيا- بتنظيم حفلات عشاء حواري باللغة الإيطالية، وكنتِ تحضرينها.
ش: هل تتذكرين متى أدركتِ للمرة الأولى أن الترجمة شيء يمكن أن يكون مهنتك؟
ج: حدث ذلك مصادفة في عام 1992. أرسل “سول شتاينبرج” إلى “بوب جوتليب” كتابًا لأحد أصدقائه، ألدو بوتسي. سلمني “بوب” الكتاب لأقرأه، لأنني كنت الشخص الوحيد في المكتب الذي يعرف الإيطالية، وكان يريد أن يعرف محتواه ليكتب لسول ملاحظة عنه. فقررت ترجمته من باب الفضول، ثم سلمت الترجمة لبوب، فنشرها في ذا نيويوركر. كان عنوانها “تشيخوف في سوندريو”. عندها حالفني الحظ، وطلب مني شخص آخر القيام بترجمة ثانية، ومنذ ذلك الحين وأنا أترجم باستمرار.
ش: ما وظيفتك الأساسية؟
ج: أنا رئيسة قسم التحرير اللغوي في «نيويوركر».
ش: كم كتابًا ترجمتِ تقريبًا؟
ج: الكثير مما ترجمته ليس كتبًا. لكنني ترجمت نحو 35 كتابًا منذ عام 1992، وعدد كبير منها قصير نسبيًا.
ش: كيف بدأتِ ترجمة أعمال إيلينا فرّانتي؟
ج: جاءت فرّانتي أيضًا بالصدفة. عندما كانت دار”يوروبا إديشن” تفتتح مكتبها في نيويورك، كان أول كتاب سينُشر هو رواية “أيام الهجران” لإيلينا فرّانتي، لتكون بداية تعريف القارئ الأمريكي بفرّانتي. لذا طلبوا من أربعة أو خمسة أشخاص تقديم عينات ترجمة. وفزتُ أنا؛ إذ كنت قد أمضيت نحو 12 عاما في الترجمة حينها.
ش: ما هي أبرز أعمالك الأخرى، غير فرّانتي؟
ج: أليساندرو باريكو، والكاتب بيير باولو باسوليني ــ كتابه “بتروليو” (Petrolio) كان ثاني كتاب أترجمه في حياتي ــ وكذلك ترجمت لــ أمارا لاخوس، جياكومو ليوباردي، بريمو ليفي
ش: ما الذي يجعل ترجمة أعمال إيلينا فرّانتي تحديًا خاصًا؟
ج: حدّتها؛ عليكِ أن تتأكدي من التقاطها ونقلها. فهي تستخدم جملًا متدفقة وطويلة في الإيطالية، والتعامل مع هذا التدفق في الإنجليزية أكثر تعقيدًا منه في الإيطالية، لأن الإنجليزية لا تحتمل هذا النوع من الجمل الطويلة. لكنكِ تجدين نفسك أمام تحديًا في كونك لا تريدين أن تفقدي قوة ما تبنيه وتتدرج فيه داخل جُملها.
ش: كيف هي علاقتك المهنية بها؟
ج: لا أتواصل معها كثيرًا. في البداية، كان الوصول إليها أصعب مما هي عليه الآن. كلما كان لدي أسئلة، كنتُ أوجهها للمحررين الذين كانوا يرسلونها إليها، ويعيدون إلي الإجابات. صحيح أنها أجرت كثيرًا من مقابلاتها مؤخرًا عبر البريد الإلكتروني، لذا يمكنني التواصل معها مباشرة، لكنني حافظت على عادتي في عدم إزعاجها بشكل مباشر.
ش: هل سبق أن اعترضت على الطريقة التي ترجمتِ بها شيء من أعمالها؟
ج: ليس على حد علمي. أظن أنها قالت في مكان ما، في “الجارديان” أو سواها، أنها تثق بي.
ش: كم استغرق الأمر حتى أتقنتِ الإيطالية بطلاقة؟
ج: لا أقول أنني أتحدث الإيطالية بطلاقة؛ فإيطاليتي مستقاة أساسا من الكتب. لكن اليوم أفضل مما كانت عليه كثيرًا.
ش: هل تجدين صعوبة حين تضطرين إلى التحدث الإيطالية في الفعاليات الأدبية؟
ج: أجد الأمر صعبا حين لا أكون مستعدة لذلك. قدمت الكثير من الفعاليات في إيطاليا العام الماضي فاعتدت عليها أكثر. لا أحب، صراحة، الأسئلة الحوارية بالإيطالية، لكنني أستطيع الحديث عن موضوعات بالإيطالية إذا تحضرت مسبقا وعلمت بها.
ش: هل لديكِ مفضلات من بين ترجماتك؟
ج: أحد أقرب الترجمات إلى قلبي هي ترجمتي لجزء من “زيبالدوني” لـ”جياكومو ليوباردي”. إنه كتاب ضخم، يشبه دفتر اليوميات إلى حد ما، لكنه ليس مذكرات بالمعنى الحرفي، بل هو أشبه بتأملاته في الحياة واللغات والفلسفة. كتاب ضخم حقيقي. فنسخته الإنجليزية تبلغ نحو 2500 صفحة، وفقا لترتيب دفتره؛ أما ما كتبه هو بالإيطالية فكان أكثر من 4000 صفحة. عملت فقط على قسم واحد منه. كنا فريقًا مكون من سبعة مترجمين، وقد ترجمت نحو 700 صفحة من دفاتر “ليوباردي”، أي ما يعادل 300 صفحة في النسخة الأمريكية. ليوباردي، كاتب من القرن التاسع عشر، وجمله شديدة التعقيد، حتى إنك بالكاد تصل إلى نهايتها؛ فتجد نفسك غارقًا تمامًا في عقل هذا الشخص، وفي أفكاره.
ش: هل تستطيعين استحضار مثال على هذا التعقيد؟
ج: بكل تأكيد، كيف أن التراكيب ومسارها والبنية التي أسميها الطبيعية في لغة ما، تمييزًا لها عن البنية العقلانية والمنطقية والهندسية، تتمتع بهوية كونية، ويمكن تعلّمها بدرجات متفاوتة من السهولة (على الأقل ضمن فئة معينة من الأمم والعصور).
ش: أوه! وما أول كتاب ترجمتِه؟
ج: القصة التي ترجمتها لألدو بوتسي لصالح بوب جوتليب، وأصبحت كتابًا بعنوان “رحلة إلى أرض الذباب وأسفار أخرى”. صدر عام 1996.
ش: ما السمات المشتركة التي تجمع المترجمين عادةً؟
ج: أعتقد —انطلاقاً من تجربتي— أن العمل محرراً لغوياً يبني رصيداً حقيقياً للمترجم؛ ولو عممنا ذلك يمكنني أن أقول إنهم أشخاص شغوفون بالكلمات وبالتفاصيل الدقيقة.
ش: ما أحدث ترجماتك المنشورة؟
ج: كتاب “بكلمات أخرى” للكاتبة “جومبا لاهيري”، آخر كتاب غير روائي ترجمته، وكانت “قصة الطفلة المفقودة” لـ”إيلينا فرّانتي” آخر رواية. عظيمة.
ش: وفي الخريف الماضي حررتِ المجموعة الكاملة من ثلاثة مجلدات لأعمال بريمو ليفي —وتضم كتبه الأربعة عشر— بما فيها مجموعتان من القصص والمقالات لم تُجمَعا من قبل. كم ترجمتِ منها؟
ج: كان هناك تسعة مترجمين غيري. ترجمت ثلاثة من الكتب وحررت البقية.
ش: كيف تصفين ترجمته؟
ج: كتابات ليفي واضحة ومتوازنة —وهذا لا يعني بسيطة أو سهلة الترجمة. فهو عالم بطبعه ومراقب دقيق للتفاصيل، لذا ثمة ضغط خاص يدفعك للإمساك بالكلمة الصحيحة والنبرة الصحيحة معاً. وكان هو نفسه مترجمًا، من الألمانية، على ما أظن، وتحدث عن ضرورة أن يتمتع المترجم بـ”حس لغوي”، لا أن يعرف معنى الكلمات فحسب.
ش: على ماذا تعملين حالياً؟
ج: أنهيت مؤخراً كتاباً لأليساندرو باريكو بعنوان العروس الشابة، سيصدر في يوليو. وأوشكت على إتمام إعادة ترجمة رواية أطفال الشارع Ragazzi di Vita لباسوليني وكذلك ترجمة كتاب أطفال لإيلينا فرّانتي.
ش: كتاب للأطفال؟ ما اسمه؟
ج: عنوانه “الشاطئ ليلًا”.
ج: هل هو كئيب؟
ج: أظنه نوعاً ما كئيب. أعني —تنتهي القصة نهاية سعيدة— لكنني حين قرأته للمرة الأولى شعرت أنه كئيب جداً، وإن كنت لا أقرأ كثيراً من كتب الأطفال.
ش: عمّ يتحدث؟
ج: تُروى القصة من وجهة نظر الدمية التي تُركت على الشاطئ في رواية “الابنة المفقودة” وهي ثالث روايات “إيلينا فرّانتي” القصيرة -فلا نخلط بينها وبين رواية “قصة الطفلة المفقودة”.
ش: من هو الكاتب الإيطالي الذي ينبغي للأمريكيين أن يعرفوا أعماله أكثر؟
ج: باسوليني، فهو معروف بوصفه مخرجًا سينمائيا أكثر من كونه كاتبًا. وأعتقد أن رواياته مثيرة للاهتمام حقًا. وكذلك أنا مولعة بـ”رومانو بيلينكي”، وهو كاتب من منتصف القرن العشرين، حتى الإيطاليون أنفسهم لا يعرفونه.
ش: هل بإمكانك أن تصفين لنا طريقتك في العمل؟
ج: أجلس إلى مكتبي وأكتب. أنجز المسودة الأولى بسرعة، ثم المسودة الثانية، ثم مسودة أخرى، ثم الرابعة. أعمل على مسودات كثيرة، لكن ذلك يتوقف على الكتاب نفسه.
ش: هل تقرئين بصوت عالٍ ما أنجزته لاختبار اتساقه؟
ج: أحياناً أفعل ذلك. وبالطبع لو كان لدي متسع من الوقت، لقرأت بصوت عالي بوتيرة أكبر مما أفعل. في معظم الأحيان، تقرأ الجملة في ذهنك، لكن حين تسمعها بصوت عال تشعر بوقعها بشكل أقوى وتلمح ما قد يكون فيها من خلل.
ش: ما الذي تحبينه أكثر في الترجمة؟
ج: الإثارة الكامنة في نقل شيء من لغة إلى أخرى، الأمر يشبه ابتكار شيء جديد. وأحيانا الترجمة تشبه حل الكلمات المتقاطعة: كيف تُطوع هذه الكلمات في جملة واحدة؟ كيف تُدرج هذه الكلمة بالذات دون غيرها، ولماذا هذه الكلمة مناسبة في سياق آخر؟
ش: وما أقل شيء تحبينه فيها؟
ج: ربما كتابة المسودة الأولى. ثمة إحساس جسدي بأنني أرغب في الوصول إلى النهاية فحسب. الأمر غريب، لأنني عندما أكون في تلك المرحلة، أنسى كم ستكون المسودة الثانية شاقة. ما أفعله في تلك اللحظة ليس سوى الجلوس والكتابة الآلية؛ إنه أمر مرهق جسديًا. ثم في المسودة الثانية فعلي أن أحل المشكلات فعلا.
ش: هل سبق أن ترجمتِ عملًا توجد له ترجمات سابقة؟ وإذا كان الأمر كذلك، ما رأيك في الرجوع إلى الترجمات الموجودة مسبقًا؟
ج: ترجمت عددًا لا بأس به من أعمال تُرجمت من قبل، ومنها بعض أعمال “بريمو ليفي”. كنت أفضل ألا أرجع إلى النسخ المترجمة سابقا؛ لكنني ألجأ إليها فقط حين أواجه شيء مستعصٍ حقًا؛ لأرى كيف تعامل المترجمون السابقون مع هذه المشكلة. لكنني لا أريد قراءة الترجمات كاملة ولا أريد أن أعرف ما فعلوه حقًا.
ش: ما الأدوات التي تعتمدين عليها في الترجمة؟
ج: استخدم القواميس الورقية والإلكترونية الإيطالية. ثمة قواميس إيطالية كثيرة متاحة على الإنترنت مثل “تريكاني” و”زانيكيلي” -وهي موجودة في طبعات ورقية أيضًا. وهناك موقع يُعرف باسم “وورد ريفرنس”، وهو منتدى للنقاش اللغوي؛ إذ كنت تبحث عن عبارة معينة يمكنك أحيانا أن تجد نقاشا حولها.
وأستخدم قواميسي الورقية كثيراً. لكنني أرى في الإنترنت أداةً رائعة، وليس للقواميس وحدها. إذا بحثت عن كلمة أو شيء تصفه لا تعرفه، كثيراً ما تجد نصاً قديماً، أو صورةً على غوغل ترشدك. إنه أمر مذهل ما يمكنك العثور عليه. حين كنت أعمل على بريمو ليفي، كان الإنترنت مفيداً للغاية في فهم المصطلحات العلمية. كان يكتب عن شيء لا أعرفه، فيعرض الإنترنت صورة له، بحيث أستطيع على الأقل، أن أرى الشيء الذي كنت أصفه.
ش: هل ستحلّ الترجمة الآلية محل المترجمين البشريين يوماً ما؟
ج: لا أعرف كيف يمكن ذلك، لأن ثمة قرارات دقيقة لا حصر لها ينبغي اتخاذها، والأمر ليس مجرد ترجمة كلمة بكلمة.
ش: ما الذي يجعل الترجمة في رأيك جيدة؟ أو لنقل ما الهدف من الترجمة الأدبية؟
ج: الهدف هو نقل شيء من لغة أخرى إلى لغتك بحيث يقرأه الناس ويستمتعون به. أعتقد أن ثمة أمراً يُنسى أحياناً: أن تكون كاتباً جيداً في لغتك أنت.
ش: وما الذي يجعلها سيئة؟
ج: أظن أن كل ترجمة سيئة هي أن تكون سيئة بطريقتها الخاصة. تصبح الترجمة سيئة حين تحاول إعادة كتابة الكتاب الأصلي. بطبيعة الحال، قد لا تدرك كقارئ أن ذلك حدث. لكنك تشعر حين يبدو النص متكلَّفاً. ربما تقول لنفسك: على الأرجح لم يكن يبدو هكذا في الأصل. حتى دون أن تنظر إلى النص الأصلي، تصطدم أحياناً في الترجمة بما يشبه العثرات في الطريق، وعادةً ما يدل ذلك على وجود خلل ما.
ش: هل لديكِ مترجم مفضّل؟
ج: لم أقرأ كثيراً من الترجمات، لأنني أُفضّل دائماً القراءة في النص الأصلي بالإيطالية. لكنني قرأت كل أعمال كونستانس غارنيت.
ش: هل يمكن الترجمة أن تحل محل النص الأصلي؟
ج: قرأت مرة، وأرى أن في ذلك شيء من الصواب، أن المترجم كالممثل الذي يؤدي دورًا، أو كالعازف الذي يلعب مقطوعة موسيقية، فإنه يقدم تفسيرًا واحدًا من التفسيرات الممكنة.
هوامش المترجمة:
- إيلينا فيرانتي (Elena Ferrante): كاتبة إيطالية معاصرة لا تزال هويتها الحقيقية طي الكتمان حتى اليوم، رغم محاولات عديدة للكشف عنها. اشتهرت عالميًا بسلسلتها الأدبية “رباعية نابولي”، التي ترصد قصة صداقة معقدة بين امرأتين، إيلينا ولينو، منذ طفولتهما في أحياء نابولي الفقيرة عقب الحرب العالمية الثانية، وحتى تقدمهما في العمر، في إطار من الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي عصفت بإيطاليا. بيعت من أعمالها ملايين النسخ حول العالم، وتحولت رباعيتها إلى مسلسل تلفزيوني ناجح بعنوان “صديقتي المذهلة”.
- جياكومو ليوباردي (1798-1837): يُعد من أعظم الشعراء الإيطاليين في القرن التاسع عشر، بل يصفه كثير من النقاد بأنه أهم شاعر إيطالي بعد دانتي أليغييري. تأثر بفكره قراء بارزون من نيتشه إلى صمويل بيكيت، واعتُبر من كبار الشخصيات الأدبية في تاريخ إيطاليا. ألّف كتابه الضخم “زيبالدوني” على مدى سنوات طويلة من حياته، وظل هذا العمل مخطوطًا مجهولًا حتى مطلع القرن العشرين. يتألف الكتاب من أكثر من 4500 صفحة، وحين تُرجم كاملًا إلى الإنجليزية للمرة الأولى عام 2013، وصفه أحد النقاد بأنه “حدث بارز في تاريخ الفكر الإنساني”.
- بيير باولو باسوليني (1922-1975): شخصية استثنائية ومثيرة للجدل في المشهد الثقافي الإيطالي، جمع بين الشعر والرواية والإخراج السينمائي والنقد والفلسفة. من أشهر أفلامه “الإنجيل بحسب القديس متى” (1964)، الذي أعاد فيه سرد قصة حياة المسيح بأسلوب واقعي تسجيلي. أما رواياته الأولى، ومنها “أطفال الشارع” و”حياة عنيفة”، فقد صوّرت بواقعية قاسية حياة الفقر والتهميش في ضواحي روما، متناولة عوالم اللصوص والمومسات وسكان الهامش الاجتماعي. لقي مصرعه في ظروف غامضة عام 1975، لا تزال مثار جدل حتى اليوم.
- بريمو ليفي (1919-1987): كيميائي وكاتب إيطالي يهودي، وُلد في مدينة تورينو. اعتُقل عام 1943 لانتمائه إلى حركة المقاومة الإيطالية ضد الفاشية، ورُحّل إلى معسكر أوشفيتز في فبراير 1944. من أصل ستمائة وخمسين يهوديًا إيطاليًا رافقوه في تلك الرحلة، لم ينجُ سوى عشرين شخصًا، كان ليفي واحدًا منهم. يوثق كتابه “لو كان هذا إنسانًا” (1947) تجربته في المعسكر، بأسلوب هادئ ومتزن يبتعد عن الإثارة، ويركز على الواقع القاسي للحياة هناك بدلًا من تصوير الرعب المباشر. أما كتابه الآخر “الجدول الدوري” (1975)، فقد اعتبرته المؤسسة الملكية البريطانية للعلوم أفضل كتاب علمي أُلّف على الإطلاق.
- أليساندرو باريكو (وُلد عام 1958): كاتب إيطالي معاصر، من أبرز أعماله رواية “سيلك” (Silk)، وهي رواية قصيرة ذات طابع شاعري تتناول قصة تاجر حرير فرنسي في القرن التاسع عشر. ومن أعماله أيضًا “نوفيتشنتو: أسطورة عازف البيانو”، التي تحولت إلى فيلم سينمائي شهير بعنوان “أسطورة 1900”.
- أمارا لاخوس (وُلد عام 1970): كاتب جزائري إيطالي، يكتب باللغتين العربية والإيطالية، الأمر الذي يمنحه منظورًا فريدًا في تناول قضايا الهجرة والهوية المزدوجة. من أبرز أعماله رواية “صراع حضارات من أجل مصعد في بيازا فيتوريو”.
- ألدو بوتسي (1910-2009): كاتب ومهندس معماري إيطالي، أقل شهرة مقارنة بغيره من الكتّاب المذكورين، غير أن كتاباته عن الرحلات والملاحظات اليومية تتميز بدقتها وأسلوبها الشخصي المميز.
- رومانو بيلينكي (1909-1989): كاتب إيطالي من منتصف القرن العشرين، أشارت آن جولدشتاين نفسها في المقابلة إلى أنه غير معروف حتى لدى القراء الإيطاليين أنفسهم، رغم القيمة الأدبية لأعماله.
- جومبا لاهيري (وُلدت عام 1967): كاتبة أمريكية من أصل بنغالي، وُلدت في لندن عام 1967 ونشأت في ولاية رود آيلاند الأمريكية. حازت مجموعتها القصصية الأولى “مترجم الأوجاع” (Interpreter of Maladies) على جائزة بوليتزر للأدب عام 2000، وهي لم تتجاوز الثانية والثلاثين من عمرها، في إنجاز نادر لكاتبة في باكورة أعمالها. من أبرز أعمالها الأخرى روايتها “الاسم نفسه” (The Namesake)، التي تحولت لاحقًا إلى فيلم سينمائي شهير، إضافة إلى “أرض غير مألوفة” (Unaccustomed Earth) و”الأرض المنخفضة” (The Lowland). وتتميز مسيرة لاهيري بمنعطف استثنائي: فبعد وقوعها في حب اللغة الإيطالية خلال زيارة إلى فلورنسا في تسعينيات القرن الماضي، واظبت على دراسة هذه اللغة قرابة عشرين عامًا، إلى أن قررت عام 2012 الانتقال للإقامة في روما برفقة أسرتها، سعيًا إلى الانغماس الكامل فيها. ومنذ ذلك الحين، اتجهت لاهيري إلى الكتابة بالإيطالية حصرًا، وكان “بكلمات أخرى” (In Other Words) أول أعمالها المكتوبة كاملة بهذه اللغة، وهو الكتاب الذي نقلته آن جولدشتاين إلى الإنجليزية. وقد تُرجمت بعض أعمال لاهيري إلى العربية، منها “ترجمان الأوجاع” (ترجمة مروة هاشم)، و”السمي” (ترجمة سرى خريس، ضمن مشروع “كلمة” للترجمة عام 2014)، و”الأرض المنخفضة” (ترجمة يارا البرازي).

