حوار مع المترجم | «فن الشيخوخة» لجون كوبر بويز، ترجمة أحمد الزناتي

نتحدث مع المترجم أحمد الزناتي في هذا الحوار عن تجربته في ترجمة كتاب فن الشيخوخة (The Art of Growing Older)، تأليف البريطاني جون كوبر بويز 1871-1957. أحمد الزناتي، كاتب ومترجم مصري، حاصل على ليسانس الألسن قسم اللغة الألمانية سنة 2000، وماجيستير إدارة الأعمال جامعة فيكتوريا 2013، حصلتُ على جائزة الشارقة في الرواية عن رواية البساط الفيروزي، وجائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة مرتين (في الرواية 2017)، وفي (القصة القصيرة 2021).

هل يمكنك أن تقدم لنا نبذة عن الكتاب ومؤلفه؟

الكتاب اسمه فن الشيخوخة (The Art of Growing Older)، تأليف البريطاني جون كوبر بويز 1871-1957. من عادتي دائمًا النبش في الكتب والأسماء والمؤلفين الذي طواهم النسيان أو لم تُترَجم أعمالهم قط. سمعتُ باسم المؤلف من اثنين: بيتر هاندكه، وهنري ميللر. في يومياته المُترجمة للعربية ثِقل العالَم وصف بيتر هاندكه رواية بويز (وولف سولينت) بأنها الرواية التي ستلهمه إلى الأبد. وعادة لا يخرج هذا الرأي من هاندكه إلا عند الكلام عن جوته أو كافكا أو عن نفسه. تقريباً الإشارة الوحيدة له في العربية كانت في كتاب هنري ميللر الكتب في حياتي، وكتب فيه شعراً ونثراً. قال لو لم يتكلم عنه أصدقاؤه لما سمع به أحد، لأنه شخصياً كان يتعمد ألا يسمع عنه أحد. بويس من آلهة الأدب العوالي، لكنه إله محتجب بتعبير العهد القديم، كتَب في الفلسفة وألّف مقالات وقصائد وروايات ومذكرات ومحاضرات وبورتريهات أدبية، له كتاب مراجعات متاح مجاناً اسمه Visions & Revisions، حلّل فيه رموز الأدب الغربي من دانتي إلى كونراد، أجلَسهم أمامه وفصّصهم، لم يرَهم بعين ناقد أو أستاذ جامعي (وظيفته) بل كبدلاء في حياة لم يعشها، كان يضع نفسه مكانهم ويمزج حياته بحياتهم. في مقالة على الجارديان قال الصحفي إنك تستطيع التجول لمدة سنوات في الكون الأدبي الذي ابتكره ج. كوبر بويز ولا تصل إلى نهاية، وإنك كلما واصلت التفتيش في إنتاجه تكتشف أن له كتاباً جديداً أو رواية أضخم لا تعلم عنها شيئا، وقد شدّتني هذه المعلومات للبحث عن أعماله، فعثرتُ على هذا الكتاب القديم، تستهويني هذه الشخصيات الأدبية الغامضة، أو من أحب أن أسميهم عباقرة الظلّ. 

لماذا اخترت هذا الكتاب لترجمته؟

أنا اليوم في الخامسة والأربعين، وعبور الأربعين لحظة فارقة في حياة أي إنسان. أتذكر مقولة يونج الشهيرة: «الحياة الحقيقية تبدأ في الأربعين، وكل ما قبلها مجرد بحث وتدريب».

بويز عُنِيَ – إلى جانب إنتاجه الروائي الغريب – بفلسفة الحياة: الحب، السعادة، الوحدة، والشيخوخة. هذا الكتاب عبارة عن مختارات من مقالاته حول «فن الشيخوخة» و«فن السعادة بين الرجل والمرأة». الموضوعان قديمان قدم الفلسفة، لكن بويز يقاربهما من موقع رجل وصل خريف العمر، فيصبّ فيهما عصارة تجاربه وثقافته وخياله الروائي. يخاطب كبار السن في العنوان، لكنك وأنت تقرأ تشعر أنه يخاطبك أنت شخصيًا، أيًا كان عمرك.

اخترته لأننا في زمن رقمي طافح بالضجيج والوصفات السريعة، ومع ذلك يظل السؤال الأعمق يلحّ: ماذا نفعل حين يتقدم بنا العمر؟ كيف نحب؟ كيف نقرأ؟ كيف نعيش مع الآخر المختلف عنا تمامًا؟ أردتُ أن أضع هذا الصوت الهادئ العميق بين يدي القارئ العربي لأول مرة.

الجديد أن بويز يقارب هاتين المسألتين من منظور ذاتي محض، من منظور كاتب روائي وفيلسوف وصل إلى خريف العُمر، فينقل عصارة تجاربه وخبراته وثقافته إلى كِبار السنّ في المقام الأول كما يقول العنوان، لكن قاريء الكتاب سيلاحظ أنّ الكتاب يخاطب كل فرد، أيًا ما كان جنسه وأيًا ما كانت فئته العُمرية. وقع اختياري على هذه المقالات لما استشعرتُه فيها من قدرة على الإجابة عن أسئلة حيوية تلّح على رأس كل إنسان: ماذا نفعل حين يتقّدم بنا السنّ؟ كيف نتعامل مع الناس؟ ماذا نقرأ؟ كيف أتعامل مع شريك حياتي؟ ما السبيل إلى تحقيق السعادة والوئام بين زوج وزوجة مختلفين عن بعضهما أشدّ ما يكون الاختلاف؟ أظن أن القاريء المعاصر في هذا العالَم الرقمي محتاج إلى هذه الدردشة الواعية. 

ما التحديات التي واجهتها أثناء ترجمة الكتاب؟

لغة بويز ليس سهلةً البتة؛ لغته شاعرية، مكثفة، متأثرة بالكتاب المقدس. أفكاره غامضة أحيانًا، وكأنه يؤسس مذهبًا فلسفيًا خاصًا به، وتغصُّ بكثير من الإحالات إلى نصوص قديمة، وأساطير.. وهي مسألة محتاجة إلى بحث طويل ثم تلخيص في هامش سطرين حتى لا نشتت القارئ. التحدي الأكبر كان أن أحافظ على «نبرة» هذا الصوت الغامض دون أن أكون غامضًا في العربية.

ما مشروعاتك القادمة في الترجمة؟

صدرت لي هذه السنة أعمال كثيرة، لكنها ثمرة عمل السنوات الثلاث الماضية، ولم تُنشر إلا مؤخرًا. أنجزتُ عددًا من الأعمال بدايةً من أواخر السنة الماضية حتى اليوم وسترى النور قريبًا إن شاء الله عن أكثر من دار نشر عربية، من بينها أعمال روائية، وفي علم النفس، والفلسفة السياسية المعاصرة. من جهة أخرى: أحرص على جمع المقالات التي أنشرها في الصحف، والمواقع الإلكترونية طوال العام في مختارات، لتصدر في كتب مستقلة. 

ما الذي جعلك تتجه لمهنة الترجمة؟

أنا خريج كلية الألسن قسم اللغة الألمانية، وأعمل بالترجمة الشفهية والفورية منذ سنة 2003، وأشارك بالترجمة في مؤتمرات دولية، ومن ثمَّ فهذا تخصصي العلمي والمهني الأصيل. بعد تخرجي انخرطت في مسارٍ مهني بعيد عن الترجمة الأدبية.

النقلة الحقيقية وقعت عام 2018 حين اقترحتُ على دار نشر عربية ترجمة رسائل هيرمان هسه إلى الشباب (صدر الكتاب بعنوان «أنتَ جواب السؤال»). قبل مخاطبة الدار ترددتُ طويلًا، خشيتُ المقارنة، وخشيتُ أن أترك منطقة الأمان المهني التي رسختُ فيها. لكن ما إن سلَّمتُ المخطوطة ورأيتُ الكتاب مطبوعًا بين يديّ حتى أدركتُ أنني وجدتُ أخيرًا الطريق التي خُلِقت لأسلكها. دائمًا ما كنت أستحضر سيرة محمد عناني (واحات العمر – واحات الغربة – واحات مصرية)، وأجدّ مواطن شبه كثيرة، بيننا وإن كنتُ لا أزال تلميذًا. 

في عام 2023 اتخذت القرار الحاسم: قلَّصتُ عملي الوظيفي إلى أيام معدودة في الأسبوع، وكرَّستُ معظم وقتي للترجمة الأدبية والكتابة. أعمل الآن عشر ساعات يوميًا، وأحيانًا أكثر، وأنا في قمة الرضا والامتنان لمسارات القدر، وحصلتُ مؤخرًا على شهادة الاعتماد (مترجم معتمد) من هيئة الأدب والنشر والترجمة السعودية.

ما التحديات التي يواجهها المترجم إلى العربية؟

الناشر الواعي المثقف، والمردود الماديّ الملائم. 

هل يمكنك أن تصف لنا طريقتك في الترجمة، مثلًا كم مسودة تعمل عليها؟ وما القواميس والمراجع التي تعتمد عليها؟

أبدأ بجمع معلومات واسعة عن الكتاب والمؤلف. أحدد «نبرة» الترجمة: إذا كان النص كلاسيكيًا أقرأ أعمالًا تراثية، وإذا كان فيه روح فكاهية أستمع لترجمات مسرحيات دورنمات القديمة مثلًا على إذاعة البرنامج الثقافي، باختصار: أعَوِّد أذني على الإيقاع المطلوب.

مؤخرًا لم أعد أفضِّل قراءة العمل كاملًا قبل الشروع في الترجمة، لا سيما النصوص الروائية كيلا أفسد على نفسي متعة القراءة. للعمل الواحد مسوّدتان، لأني أقف أمام كل فقرة، أو حتى أمام كل سطر طويلًا، وأعيد صياغته وتنقيحه، والتدقيق في معناه قبل الانتقال إلى الفقرة التالية. وأحيانًا أستأنس بترجمة العمل بلغةٍ أخرى لو تشككتُ في فهم فقرة أو سطر (فعلت هذا مع رواية روبرت موزيل المعقدة: الحياة المضطربة للفتى تورلس). أما المسودة الأخيرة أبدأ فيها بعد إنهاء الترجمة بأسبوع. كان من بين نصائح أستاذنا د. عميد الأدب الألماني مصطفى ماهر رحمه الله (لا تخشَ الأصل! واترك النصّ أسبوعًا ليبرد، واديله وِشِّ تاني، واترك بقية المهمة لعين ثانية = المحرر، وكان ينصح بأخذ رأي المحرر دائمًا).

لا أزال أستعمل قاموس Wahrig الأحمر الضخم في فهم المفردات غامضة، لأنه يذكر استعمالات المفردة الواحدة في أكثر من سياق، وحتى في الاستعمال اليومي. ولكن عدّتي الأساسية منذ احتراف الترجمة الأدبية عملان لا أملُّ من العودة إليهما دائمًا وأوصي بهما: الأول نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد للشيخ إبراهيم اليازجي، والثاني كتاب المعجم الموسوعي للتعبير الاصطلاحي في اللغة العربية، د.محمد محمد داود (3 أجزاء) أظنّ على كل مترجم أن يعيد قراءة هذين العملين كلما أقبل على ترجمة كتاب جديد؛ أسمّي هذا تسخين عضلات ذهن المترجم، وشحذ عقله بحلول جاهزة لمشكلات مكررة في كل نص.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *