في هذا الحوار، نتحدث مع المترجم محمد أ. جمال عن تجربته في ترجمة كتاب “سباحة في بركة تحت المطر: يعلّمنا خلالها أربعة أساتذة روس بعض الدروس في الكتابة، والقراءة، والحياة” لجورج سوندرز الصادر حديثًا عن دار ممدوح عدوان للنشر. محمد أ. جمال، كاتب ومترجم مصري، نُشر له: «أبناء نوت وأساطير أخرى – 2024»، «طيران – 2021»، «كتاب خيبة الأمل – 2018». وعدد من الأعمال المترجمة من الإنجليزية إلى العربية، منها: «البطل بألف وجه – جوزيف كامبل».
1. هل يمكنك أن تقدم لنا نبذة عن الكتاب ومؤلفه؟
«جورج سوندرز» هو قاص وروائي أمريكي، يعدّه الكثيرون أحد أفضل (وربما أفضل) كتاب القصة القصيرة باللغة الإنجليزية على قيد الحياة. لم تتُرجم أي من مجموعاته القصصية إلى العربية للأسف حتى الآن، لكن روايته الوحيدة «لينكون في الباردو»، قدمها إلى العربية المترجم «أحمد المعيني» في ترجمة رائعة، وقد حصلت هذه الرواية على جائزة البوكر العالمية.
أما الكتاب الذي بين أيدينا «سباحة في بركة تحت المطر»، يُظهر وجهًا آخر أكثر حميمية لسوندرز، وجه المرشد والمعلم والصديق، ما أحب أن أسميه وجه العم سوندرز الجميل. قضى سوندرز أكثر من 20 سنة يُدّرس الكتابة الإبداعية في جامعة سيراكيوز، من خلال تدريس مساق عن القصة الروسية القصيرة في القرن التاسع عشر، وقد قرر أن يشاركنا حسب قوله «بضع ما اكتشفته أنا وتلاميذي معًا عبر السنوات».
قدم سوندرز سبع قصص لأربعة من أفضل الكتاب الروس القدامى (تشيخوف، تولستوي، تورجنيف، جوجول)، وتبع كل قصة منها بمقالة مطولة، يستكشف فيها القراءة والكتابة والإبداع… والحياة. ومن سوندرز نتعلم (أو نكتشف) أن النقد الفني، من شأنه أن يكون ممتعًا ومفيدًا كالفن ذاته.
2. لماذا اخترت هذا الكتاب لترجمته؟
من بين نحو 20 كتابًا ترجمته حتى الآن، ترجمتي لهذا الكتاب كانت تجربة شخصية أكثر منها احترافية، وهذا يعود لظروف قراءتي الأولى له. عرفت الكتاب بترشيح من أستاذي الكاتب والمترجم «حسام فخر»، واتجهت إليه لأقرأه ككاتب وقارئ قبل أن أكون مترجمًا. كنت قد نشرت وقتئذٍ روايتي الثانية «طيران» (كتابةً لا ترجمة)، ووقعت في فخ الانكماش النفسي، الإحساس الذي يراودني عقب إتمام كل مشروع كبير بذلت فيه مجهودي وروحي لفترة طويلة (الشعور بالاكتئاب، وبأني بلغت سقف قدراتي، وأني لم يعد لدي ما أقدمه، مع التفكير في التقاعد المبكر والاتجاه إلى البكاء على الأطلال كوظيفة بدوام كامل). فوجئت بالكتاب وكأنما سوندرز (أو العم سوندرز) قد كتبه لي خصيصًا، كتاب يخاطب الكثير من التساؤلات والاضطرابات التي قد يمر بها كاتب مبتدئ أو حتى مخضرم، ولا يجيب عنها إجابة نهائية ببساطة، وإنما يناقشها بروح خير مرشد قد يحظى به المرء، وتركني في النهاية وأنا على الطريق للوصول إلى إجاباتي الخاصة.
ليس الأمر وكأنه كتاب تنمية ذاتية أو علاج نفسي، بل هو كتاب تقني عالي القيمة، يسلط الضوء على الأدوات التقنية المختلفة في عمليتي الإبداع وتلقي الإبداع، سواء الأدوات الواضحة التي يستخدمها المرء بوعي، أو الآليات الخفية التي تدور خلف ستر الوعي وتمسك المقود الحقيقي للإحساس. إن قراءة هذا الكتاب، بحسب وصف إحدى المراجعات: «مثل مراقبة فنان يرسم لوحة أمام عينيك، يدعوك لتشارك في رسم التفاصيل».
كلنا نعرف مثل هذه الكتب. كم كتاب قرأته في حياتك؟ عشرات؟ مئات؟ آلاف (واو!)، لكن هناك دومًا أربعة أو خمسة عناوين لن تنساها أبدًا، أنت بعد قرأتها لست أبدًا نفس الشخص الذي كنته قبلها، وتشعر بالامتنان إلى مؤلفها حتى تود أن تشتري ألف نسخة، وتوزعها على الجميع وترغمهم على قراءتها. وهذا ما فعلته بشكل ما مع «A swim in a pond in the rain»، حولته إلى «سباحة في بركة تحت المطر»، وأحاول إقناعك بشتى الطرق أن تقرأه… وأثق أنك لن تندم أبدًا.
3. ما التحديات التي واجهتها أثناء ترجمة الكتاب؟
أول تحدٍ علمت أني مواجهه، من قبل حتى أن أشرع في الترجمة، كان تعدد الأصوات السردية للكتاب. فهناك أربعة مؤلفين روس قدامى عظام، إضافة إلى صوت سوندرز ذاته في تعليقه على قصصهم السبع. أي أن هناك خمسة أصوات سردية متباينة، ينبغي أن تراعي الترجمة تنوعهم وتميزهم. ناهيك أن نصوص القصص كلها مترجمة من الروسية إلى الإنجليزية، أي أنني سوف أترجم من لغة وسيطة. فكرت لوهلة أن ألجأ إلى الترجمات العربية المتوفرة للقصص بدلًا من أن أعيد ترجمتها من الصفر، إلا أن هذا النهج تبين أنه لن يصلح، لأنني وجدت أولًا أن بعض القصص ترجماتها العربية (إن وجدت) ليست كاملة، تصرف مترجميها فيها بدرجات متفاوتة، وبعضها تُرجم أيضًا من لغات وسيطة أخرى وليس من الروسية رأسًا. وحتى إن توفرت ترجمة متقنة كاملة من الروسية، يناقش سوندرز في مقالاته النسخ المترجمة إلى الإنجليزية من القصص، بكل ما فيها من خيارات ترجمية اختلفت بلا شك عن النص الأصلي، بل وفي بعض المناقشات يعود إلى ترجمات إنجليزية مختلفة لنفس القصة، ليقارن بين خيارات المترجمين ويستنتج استنتاجات مختلفة من خيارات كل منهم. هكذا لم يكن ثمة بد من ترجمة القصص كلها بالكامل من جديد، من الترجمة الإنجليزية الوسيطة. لكنني راعيت مع ذلك قراءة ما تيسر من ترجمات عربية متاحة للقصص المختلفة، وأخذت بعين الاعتبار خيارات المترجمين الأفاضل السابقين، وتبنيت منها ما وجدته صالحًا لغرض هذا الكتاب.
وفي النهاية، حل مسألة تباين الأصوات، مثلما هو حل أكثر معضلات الترجمة، كان بالترجمة ذاتها، بالانخراط فيها، والتركيز على محاولة ترجمة كلمة كلمة، جملة جملة، فقرة فقرة. إن أحسنت ذلك، ستغني الأصوات من تلقاء نفسها.
4. ما مشروعاتك القادمة في الترجمة؟
مرتبط هذه الأيام بوفرة أحمد الله عليها من مشاريع ترجمة، تتضمن تنوعًا رائعا في الأنواع أسعى إلى الحفاظ عليه. منها عودة إلى سلسلة ستيفن فراي عن الأساطير اليونانية، تلك التي ترجمت سابقًا أول أجزائها ثم توقف المشروع لتغير سياسة الناشر، والآن أعود إلى تقديمها بشكل جديد مع ناشر جديد، وأتمنى أن يكون مشروعًا موفقًا. إلى جوار ذلك أتممت العمل على كتاب لفائز سابق بنوبل متخصص في البيولوجيا الجزيئية ودراسة الشيخوخة؛ كيف تصيب الإنسان، وكيف يحاول العلم مواجهتها. وكانت هذه تجربة ممتعة غير مسبوقة، أقصد بذلك الخوض في مجال علمي دقيق بمستوى يكاد يقترب من التخصص، وأنا راض الحمد لله عن النتيجة التي توصلت إليها في ترجمته. وإلى جوار ذلك، أنا في مرحلة التحضير لعمل تاريخي ضخم مؤسس، يسعى إلى تفكيك مفاهيم «الحضارة» و«الغرب»، ويدرس كيف تكونت الشعوب والثقافات، التي تُطلق على نفسها الآن «الغرب»، وآليات العلاقة بين الحضارات بشكل عام. أنا متحمس بشدة لهذه الترجمة بالذات، لأني أنوي تخصيص نصيب الأسد من مشروعي القادم للتاريخ، المجال الذي أجده الأحب إلى قلبي بمرور الزمن.
5. ما الذي جعلك تتجه لمهنة الترجمة؟
لم أكن أنتوي العمل في الترجمة… لكني وقعت في فخها، وكان ذلك الفخ الأجمل في حياتي.
قررت في البداية الاكتفاء بترجمة أول عمل عُرض عليّ ترجمته «البطل بألف وجه»، وذلك لمكانته القريبة إلى قلبي، على أن أعود حصرًا إلى الكتابة الأصلية بعدها. لكني وجدت عملية الترجمة ذاتها مرضية جدًا، تحمل في طياتها تحديًا إبداعيًا كبيرًا، يشبع قدر من رغباتي في الكتابة الأصلية (لكن من دون إحباطات الكتابة الأصلية).
وبمرور الوقت والتجارب، وجدت أن أكثر ما يجعلني متمسكًا بمهنة الترجمة، هي أنها تمنحني فرصة على الخوض في مساحات لم أكن بالغها أبدًا بكتابتي الشخصية. في النهاية أنا، مثل الجميع، اهتماماتي أوسع بطبيعة الحال من قدراتي، مهتم بالعلم والتكنولوجيا والتاريخ والخيال والفكر وغير ذلك، كيف لشخص في زمن التخصص الدقيق الذي نعيشه، أن يساهم في كل هذه المساحات… إلا بالترجمة؟
هكذا أشبع رغبتي بالخوض في اهتماماتي المتعددة، وحينما أعود لأكتب، لا يثقلني حمل الشوق إلا إلى ما هو لي وحدي.
6. هل يمكنك أن تصف لنا طريقتك في الترجمة، مثلًا كم مسودة تعمل عليها؟ وما القواميس والمراجع التي تعتمد عليها؟
هذا سؤال تتطلب إجابته ملفًا كاملًا، لكن سأحاول اختيار بعض النقاط التي أجدها مفيدة.
- أفضل سيناريو للبدء في ترجمة كتاب، هو قراءته مرة واحدة كاملًا على الأقل (وأكثر إن استطعت)، وقراءة ما تيسر من كتابات المؤلف ومراجعات الكتاب، والأعمال المشابهة، والمتاح من ترجمات سابقة إن وجدت للكاتب والكتاب، ثم بدء الترجمة. وأسوأ سيناريو، هو الانكباب على الترجمة مباشرة، وقراءته أثناء الترجمة. وفي الواقع، كلا السيناريوهين يحدث طوال الوقت… لذا يحتاج المترجم إلى أن يكون واسع الحيلة متعدد الأدوات بقدر الإمكان، وملم جيدًا بحدود قدراته، فلا يقضم أكثر مما يسعه مضغه (كما يقول التعبير المترجم).
- ألجأ مع الكتب المعقدة كثيرة الأسماء (من مصطلحات وشخصيات وتعبيرات تحتمل خيارات ترجمية منوعة)، إلى بناء ملف جانبي قاموس خاص لكل كتاب، جدول أسجل فيه كل خيار ترجمي اتخذته، ارجع إليه باستمرار لضمان اتساق ترجمتي للمصطلحات والتعبيرات المختلفة.
- قاموس المعاني: العديد من المترجمين والكتاب يكرهون موقع قاموس المعاني، لأنه يحتوي أحيانًا على أخطاء. لكنه في الواقع، بحسب خبرتي، من أفضل قواعد بيانات اللغة العربية وأيسرها على الاستخدام على الإنترنت، لا سيما مع تضمنه معجم عربي (وهو الأهم) وقاموس عربي إنجليزي، ومعجم مرادفات وأضاد (وإن كنت تعرف أداة تؤدي نفس الغرض وأكثر كفاءة، شاركني الله يخليك). صحيح أنه قد يحتوي على أخطاء (بنسبة قليلة جدًا) في قواميس الترجمة ومعجم معاني اللغة، إلا أن نهج المترجم ينبغي أن يكون البحث والتحري والتفكير المنطقي باستمرار، فلو أن لمستخدم هذا الموقع أو غيره نهج في التأكد من دقة أي نتيجة بحث من أي مصدر، يستطيع تفادي الأخطاء على قاموس المعاني أو غير، والاستفادة من أي مصدر يتاح له. ومن دون نهج التحري والدقة الخاص، لا فائدة من أي أداة مهما كانت.
- حتى وقت قريب كانت أداتي الرئيسية في البحث هي جوجل، مثل العالم كله تقريبًا. لكن مؤخرًا، استبدلت به في أغلب عمليات البحث، أداة الذكاء الاصطناعي البديعة Perplexity. لا مجال في سياقنا هذا لاستعراض قدرات هذه الأداة ومدى فاعليتها الجمة للمترجم وغير الترجمة من تخصصات، لكنها باختصار محرك بحث يستخدم قدرات نماذج اللغة الأخرى مثل ChatGPT، في إجراء عمليات بحث فعالة، أي أن بريبلكستي باختصار هو كل ما تمنينا أن يكونه جوجل من قبل وفشل في تحقيقه حتى الآن. يكفي القول إن بريبلكستي فتح لي آفاقًا وقدرات بحثية لم يكن جوجل يوفرها من قبل أبدا. لكن الخطر يكمن في الإغراء بالوثوق في نتائج البحث الأولية التي تبدو ذكية مقنعة، دون مراجعة المصادر والروابط المرفقة. لا تنس، الأهم من الأداة، هو النهج الشخصي في تحري ومراجعة كل نتيجة، ومحاكمتها منطقيًا، وإلا أصابتنا عدوى المرض الخبيث: هلوسة الذكاء الاصطناعي.
- شاشة إضافية (صغيرة): مؤخرًا صرت أستخدم (وأستمتع) شاشة إضافية إلى جوار الشاشة الرئيسية، لم ألجأ حتى إلى شراء شاشة جديدة، وإنما استخدمت تطبيق أتاح تحويل جهاز تابلت قديم إلى شاشة إضافية إلى شاشتي الرئيسية. رفاهية مبالغ فيها؟ صحيح، لكنها في الواقع يسرت عملي إلى حد كبير، الآن صارت شاشتي الرئيسية للترجمة فقط، والشاشة الفرعية عليها المتصفح الذي يحتوي مختلف أدوات البحث والبرامج التي قد ألجأ إليها، ما قلل بشدة التبديل بين النوافذ، الذي يتبعه بالضرورة تشتت وفقدان حبل الأفكار الأصلي. هذا غير أنك لو كنت تترجم النص الأصلي من PDF قديم غير قابل للتحويل إلى ملف نصي، يمكنك أن تخصص الشاشة الفرعية للنص الأصلي والشاشة الأساسية للترجمة.

