حوار مع المترجم | «نهاية العلاج النفسي» لباول فرهاخه، ترجمة شعلان شريف

نتحدث مع المترجم شعلان شريف في هذا الحوار عن تجربته في ترجمة كتاب “نهاية العلاج النفسي: تفكيك أوهام الطب النفسي وخرافة الأدوية” لباول فرهاخه الصادر حديثًا عن دار آفاق للنشر. 

  1. هل يمكنك أن تقدم لنا نبذة عن الكتاب ومؤلفه؟

أثار كتاب “نهاية العلاج النفسي” عند صدوره نقاشات ساخنة في الصحافة البلجيكية والهولندية، لأنه يقدم نقداً جذرياً وعميقاً، وغير مسبوق، للأوضاع السائدة في عالم العلاج النفسيّ. نحن نعرف أنّ اللجوء للعلاج النفسيّ قد أصبح ظاهرة منتشرة بقوة في المجتمعات الغربية المتقدّمة، ويخصص له جزء ليس بالقليل من ميزانيات الرعاية الصحية في تلك البلدان، لكن مؤلف الكتاب، وهو أستاذ جامعي في علم النفس ومعالج نفسي متمرس، يرى أن العلاج النفسي قد أصبح مشكلة بحدّ ذاته بدلا من أن يكون هو الحلّ للمصاعب والاضطرابات النفسية المنتشرة في المجتمعات الحديثة. ويرى المؤلف أنّ الكثير من الأعراض والاضطرابات ناتج عن طبيعة الحياة الحديثة في المجتمعات الصناعية وما بعد الصناعية، وبالتالي فإن الحلول لهذه المصاعب يكمن حسب رأيه في فهم الأسباب والخلفيات الاقتصادية-الاجتماعية، وإنّ العلاج النفسيّ والطب النفسيّ لا يقدّمان الحلول لمشاكل ليست من طبيعة نفسيّة (سايكولوجية) في الأصل. وربما يتمثل الجانب الأكثر إثارة في طروحات المؤلف النقدية، في كشفه للدور الذي تلعبه شركات الأدوية الكبرى، خاصة في الولايات المتحدة، في التأثير على آراء علماء النفس والأطباء النفسيين، وعلى تصنيف الاضطرابات النفسية وتحديد طرق علاجها، بما ينسجم مع مصالح تلك الشركات.

مؤلف الكتاب، باول فرهاخه، هو أستاذ جامعي لمادة علم النفس السريري والتحليل النفسي في جامعة جينت البلجيكية، ومعالج نفسي سريري، يمزج في كتاباته بين خلفيته العلمية الأكاديمية، وبين تجاربه العملية في عيادته النفسية. حققت كتبه حول العلاقات العاطفية والحميمية والهوية في العالم الحديث وما بعد الحديث، نجاحاً كبيراً على المستويين النخبوي والشعبي.

  1. لماذا اخترت هذا الكتاب لترجمته؟

حين طلبت مني دار آفاق للنشر ترجمة كتاب “نهاية العلاج النفسيّ” لم أكن قد قرأت الكتاب، لكن سبق لي أن قرأت مقالات في الصحافة الهولندية والبلجيكية حول المؤلف باول فرهاخه وطروحاته النقدية الثورية في مجال علم النفس. فكان طلب الترجمة دافعاً لي للتعمق في طروحات وأفكار عالم النفس البلجيكي هذا، وقد أعجبت جداً بأفكاره الجريئة، وبأسلوبه الذي يجمع بين العمق والسلاسة. وقد كنت شخصياً، وطوال السنوات التي عشت فيها في هولندا أنظر بشيء من الاستغراب إلى الاعتماد الواسع على العلاج النفسي من قبل الأفراد والمؤسسات هناك، لمعالجة مشاكل كنت أرى أنها لا تحتاج اللجوء إلى العلاج. ولأننا في مجتمعاتنا العربية، نميل للأسف إلى مجاراة الغرب واقتباس مظاهره، دون تحفظات نقدية في الغالب، فقد لاحظت أن هوس العلاج النفسي قد بدأ ينتقل أيضاً إلى مجتمعاتنا، لا سيما بين الطبقات المتعلمة والميسورة. لذلك رأيت أن ترجمة كتاب فرهاخه إلى العربية والاطلاع على نقده العميق لظاهرة العلاج النفسي، بات ضرورياً لكي لا نقع في التقليد السطحي ولكي نتمكن من تكوين نظرة متوازنة وواقعية حول هذا الموضوع الحيويّ.

  1. ما التحديات التي واجهتها أثناء ترجمة الكتاب؟

بالرغم من اهتمامي الشخصيّ بمجال علم النفس، واطلاعي المبكر والمستمر على هذا الحقل كقارئ هاوٍ غير متخصص، فإن ترجمة كتاب في مجال علم النفس كانت تجربة جديدة بالنسبة لي. وهذا هو التحدّي الأساسي الذي واجهني، أي تحدّي ترجمة كتاب تخصصي في مجال لم تتعدّ معرفتي به حدود ما يعرفه القارئ الهاوي غير المتخصص. هذا يعني أن أواجه مصطلحات جديدة لم أكن أعرف ما يقابلها لدى المتخصصين العرب، وكان عليّ أن أبحث في مصادر عربية متخصصة بعلم النفس وأقارن بينها لاختيار المصطلح الأكثر شيوعاً وسلاسة. وقد ساعدني في مواجهة تلك التحديات أمران، الأول هو أن الكتاب، بالرغم من كونه كتاباً تخصصياً، لكنه مكتوب بأسلوب سلس بعيد عن التعقيد الأكاديمي، والأمر الثاني هو تطور وسائل البحث على المواقع الالكترونية مما يختصر الكثير من الوقت والجهد.

  1. ما مشروعاتك القادمة في الترجمة؟

مشروعاتي القادمة ستكون في مجال ترجمة أعمال أدبية من اللغة الهولندية إلى العربية، حيث لا يزال الأدب المكتوب باللغة الهولندية شبه مجهول لدى القارئ العربي، وقد لاحظت أنّ هناك اهتماماً لدى بعض الناشرين العرب بالانفتاح على آداب اللغات الأقل انتشاراً عالمياً، مثل اللغة الهولندية.

  1. ما الذي جعلك تتجه لمهنة الترجمة؟

أنا عاشق للغة العربية، كتبت بها الشعر والنثر والمقالات، ودرستها أكاديمياً، وحين انتقلت للعيش في هولندا بذلت جهداً لتعلّم لغة البلاد بسرعة، والاطلاع على تاريخها وآدابها، ثمّ أني وجدت فرصة عمل جيدة في مجال الترجمة العملية، أي الترجمة الشفوية والتحريرية، لتسهيل التواصل بين المقيمين الناطقين بالعربية وبين المؤسسات والإدارات الهولندية، ثم عملت في مؤسسة إعلامية هولندية موجهة للناطقين بالعربية، وكانت الترجمة الصحافية جزءاً أساسياً من عملي. كما إني أشارك باستمرار في فعاليات ثقافية وأدبية وسياسية في هولندا، سواء كمشارك أصليّ أو كمترجمٍ. أما ترجمة الكتب بين اللغتين فقد مارستها على هامش أعمالي الأخرى، وكانت تجارب قليلة، تعثّر بعضها لأسباب تتعلق بقلة الوقت، وحجم المجهود الذي تقتضيه ترجمة الكتب.

  1. ما التحديات التي يواجهها المترجم إلى العربية؟

التحدّي الأساسيّ الذي يواجهه المترجم إلى العربية هو قلة الدعم، خاصة لترجمة أعمال ذات قيمة أدبية وفكرية عالية، لكنها أعمال لا تحظى بالشعبية الواسعة بين القراء، وبالتالي لا تحقق مردوداً جيداً للناشرين. هذا الحال يجعل المترجم يعمل بناء على طلبات الناشرين وليس بناء على تفضيلاته الشخصية، وفي كل الأحوال يبقى المردود الماليّ للمترجم غير متناسب مع الوقت والمجهود اللذين تستدعيهما عملية الترجمة. وهذا يعني أن المترجم في الغالب لا يعتمد في عيشه على ترجمة الكتب وبالتالي فإنه يمارس هذا العمل المضني والممتع في أوقات إضافية يقتطعها من وقته الشخصيّ.

  1. هل يمكنك أن تصف لنا طريقتك في الترجمة، مثلًا كم مسودة تعمل عليها؟ وما القواميس والمراجع التي تعتمد عليها؟”

بعد قراءتي للكتاب المراد ترجمته وأخذ فكرة جيدة عن مضمونه وعن أسلوب الكاتب، أكتب لنفسي ملاحظات، هي في الحقيقة توجيهات لعملية الترجمة، لكي تقترب أكثر ما يمكن من النقاط المحورية في مضمون الكتاب وعن الميزات الأساسية لأسلوب الكاتب. ثمّ أعيد قراءة الفصل المراد ترجمته، ثم المباشرة بترجمته فقرة فقرة. وكلما أنجزت ترجمة فقرة أعدت قراءتها ومقارنتها بالأصل وتعديل ما يحتاج التعديل فيها، حتى إذا اكتملت ترجمة الفصل (أو قسم من الفصل) أعدت قراءة ترجمته الكاملة ومقارنته مع الأصل وتعديل ما يحتاج التعديل فيه. فإذا اكتملت ترجمة الكتاب أعيد قراءة الترجمة كاملة، فإذا أحسست في مواضع معينة بتعثر في القراءة، أو غموض في الصياغة، أو ابتعاد واضح عن الميزات الأسلوبية، راجعت تلك تلك المواضع بدقة وقارنتها بالأصل وأعدت صياغتها حسب الحاجة. بالنسبة للقواميس والمراجع فقد أصبحت أكثر اعتماداً على المراجع الإلكترونية، لسهولة الوصول إليها والبحث فيها، وخاصة تلك المراجع التي تنشرها مؤسسات جامعية، أو علمية متخصصة.



Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *