هذا العام، تمر عشر سنوات على تأسيس ترجمان، وهذا كتابها الثاني.
وترجمان هي مجموعة مهتمة بمجال الترجمة في العلوم الإنسانية والأدب، وبدراسات الترجمة، وبنشاط الترجمة، سواء من الناحية النظرية أو العملية. وهي تنقسم إلى ثلاث أقسام، قسم على الإنترنت يتمثل في موقعها الإلكتروني، وقسم يتضمن فاعليات وأنشطة تعليمية على أرض الواقع، وقسم خاص بمشروعات بنشر الكتب.
نهدف بهذا المشروع من خلال قسميه إلى طرح الجدالات عن الترجمة إلى العربية ومتابعة أخبار الترجمة. يخصص المشروع جزءًا بارزًا من جهده إلى مجال دراسات الترجمة، غير المطروق بشكل كافٍ في العالم العربي، رغم أهميته وسط تزايد عدد الترجمات في الفترة الأخيرة. هكذا يهدف المشروع تقديم محتوى وافٍ عن دراسات الترجمة، وإخراج هذا المجال من الحلقات الأكاديمية إلى المترجم منذ المستوى المبتدئ، وأيضًا إلى القارئ العادي، حتى يكون على وعي بكل التطورات الحديثة في هذا السياق. ويتمثل هدفنا في العموم في رفع الوعي بالترجمة، بعد عقود من عدم الانتباه إلى أهمية هذا المجال في تعزيز الثقافة وترويج الأفكار. بالإضافة إلى تأكيد أن المترجم ليس مجرد ناقل، بل شخص وخلَّاق وفاعل في مجال الثقافة.
بدأت ترجمان باجتماع لإقامة مجموعة قراءة في دراسات الترجمة بدعوة من العضوة المؤسسة للمجموعة سماح سليم في بداية 2015. كان الهدف هو جمع المترجمين من كل الأعمار وذوي المهارات المختلفة، إلى جانب أي شخص مهتم بسياسات الترجمة المعاصرة ونظرياتها، لقراءة النصوص الأصلية في الحقل الجديد نسبيًا والمعروف بدراسات الترجمة ومناقشتها.
أقيمت مجموعة القراءة في مركز الصورة المعاصرة بداية من أغسطس وحتى ديسمبر 2015 بوتيرة نصف شهرية، وقد حضره أكثر من عشرة أشخاص تقريبًا. ضمت قراءات المجموعة أعمال كلاسيكية شهيرة مثل مقالة “مهمة المترجم” لفالتر بنيامين ومقالة “مترجمو ألف ليلة وليلة” للويس بورخيس، وكذلك أعمال حديثة الصدور مثل “مقال التراجمة ونقاط التفتيش” لإليوت كولا، الذي نشر في مجلة المترجم بمناسبة اليوم العالمي للترجمة (30 سبتمبر) في العام نفسه.
خلال السنوات الأربع التالية، خضنا رحلتي بحث طويلتين: الأولى من أجل تأسيس موقعنا الإلكتروني والثانية من أجل نشر أول كتبنا، كتاب “الأفعى المتعددة الرؤوس: البحارة والعبيد والمشاعيون والتاريخ الخفي للأطلنطي الثوري”، الذي ترجمه عضو المجموعة المترجم القدير أحمد حسان. في الأولى كنا نبحث عن مواد تنشر على الموقع الذي أسسناه، وفي الثانية كنا نبحث عن دار نشر نتعاقد معها على نشر الكتاب.
في 2019، شارفت الرحلتين على الانتهاء بعد أن ترجمنا أولى مواد الموقع الحصرية في مختبرات الترجمة ومساقاتها في معهد القاهرة للعلوم والآداب الحرة (سيلاس) في الإسكندرية والقاهرة، وعرضنا نشر كتاب “الأفعى المتعددة الرؤوس” على دار الكتب خان وحصلنا على موافقة مبدئية. كان مقال “لماذا تستوجب الترجمة التدقيق؟” للمترجم والروائي البريطاني تيم باركس ومقال “التراجمة ونقاط التفتيش” نموذجين من المقالات التي ترجمت في مختبرات الترجمة المذكورة، ونعيد نشرهما هنا في هذا الكتاب. وفي عام 2020، أثناء فترة حجر فيروس كورونا، أطلقنا موقع ترجمان وصفحته على موقع فيسبوك، وبمجرد انتهاء الحجر وقعنا عقد نشر ترجمة أحمد حسان مع دار الكتب خان.
كانت إنتاجات مختبرات الترجمة التي استمرت في الأعوام التالية وقودًا أساسيًا للموقع، لكننا أيضًا تلقينا مساهمات من أصدقاء لنا كثر مثل منى كريم وأسماء السكوتي ومحمود راضي وهشام فهمي وأحمد الخميسي، كذلك بدأنا سلسلة من الحوارات القصيرة مع المترجمين حول أعمالهم الحديثة، وهكذا أصبح موقعنا غنيًا بالمقالات والحوارات.
بعد صدور كتاب “الأفعى المتعددة الرؤوس” في أغسطس 2023، وجدنا أننا أولاً لم ننشر طوال تلك السنوات الماضية سوى كتابًا واحدًا، وكان لدينا طموح فيما هو أكثر من ذلك، كما أننا كنا بحاجة إلى نشر كتاب يعبر عن مشروعنا، لذا جاء هذا الكتاب الذي بين أيديكم.
يقدم كتاب “الترجمة نقاط عبور” وجهًا آخرًا للترجمة، وجهًا ثقافيًا. يختلف هذا الوجه كثيرًا عن التناول التطبيقي المهني للترجمة، حيث يتعامل معها بوصفها مهمة ثقافية ينهض بها المترجمون من أجل فتح نوافذ الثقافة العربية على العالم. نأمل أن تتيح المقالات والحوارات المتضمنة بين دفتي هذا الكتاب للقراء أدوات جديدة في التفكير في ممارسة الترجمة وأخلاقياتها.
يضم الكتاب اثني عشر مادة، ثماني مقالات وثلاث حوارات ومحاضرة مقسمين على أربعة أقسام. يقوم القسم الأول، دليل إلى الترجمة، على طرح أسئلة عملية حول الترجمة: كيف تقرأ كمترجم؟ كيف تقرأ ترجمة؟ لماذا تستوجب الترجمة التدقيق؟، أما القسم الثاني فهو يتناول القضية الأثيرة في مجالنا وهي قضية خيانة الترجمة، من خلال مقالات الناقد الفني آرثر دانتو والفيلسوف خوسيه أورتيجا إي جاسِيت والمؤرخ إليوت كولا نطلع على الأبعاد الأدبية والفلسفية والسياسية والتاريخية لهذه القضية الأزلية. يتناول القسم الثالث الترجمة الأدبية وإشكالياتها الجمالية من خلال رؤى الأديبة الحائزة على جائزة نوبل للآداب أولجا توكارتشوك والناقدة الثقافية سوزان سونتاج والمترجمة فيونا بِل، أما القسم الرابع، حوارات في الترجمة، فهو يتضمن حوارًا مفصلاً عن نقد الترجمة مع تيم باركس إنطلاقًا من مقاله المنشور في نهاية القسم الأول، وحوارًا مع إيميلي أبتر بعنوان السيادة هي من يترجم حول غير القابل للترجمة والأدب العالمي، وحوارًا مع سماح سليم حول مسيرتها في الترجمة والبحث وقضايا الترجمة في العالم العربي.
وأخيرًا فإننا نتقدم بالشكر إلى كل المترجمين والمترجمات المساهمين والمساهمات في هذا الكتاب، وإلى دار هن على تعاونها معنا ودعمها لنشر الكتاب آملين أن يكون بداية لمشروعات نشر أخرى قادمة بيننا.
تخرج من كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة. أثناء سنوات الدراسة، اهتم بإلقاء الشعر والتمثيل في المسرحيات والأفلام القصيرة وكتابة وترجمة الشعر والمقالات والقصص القصيرة المنشورة في المواقع والمدونات الإلكترونية. نظم مجموعة قراءة في دراسات الترجمة برفقة المترجمين سماح سليم وأمير زكي وأحمد حسان بمركز الصورة المعاصرة في 2015 ثم أطلق مختبر الترجمة في سيلاس عام 2016 وشارك في تسيير أعماله في السنوات التالية حتى عام 2022. صدرت له ترجمة كتاب “12 أطروحة حول تغيير العالم”، بالإضافة إلى ترجمة كتاب “الدليل في طلب المستحيل” الذي نُشِر أولًا على موقع كتب مملة.

