كيف تترجم | كلاسية Classic

مقال محمود راضي

في ليلة من ليالي العام 2018، جمعتني جلسة في أحد مقاهي القاهرة بالمترجمان العزيزان هشام فهمي ونادر أسامة، وضمن المواضيع العديدة التي أُثيرت في هذه الجلسة حول هموم وشجون مهنة الترجمة –وكنت آنذاك ما أزال أتحسس أولى خطواتي في الترجمة الأدبية- ثمة موضوع مدهش أثاره نادر في معرض حديثه ولم يخطر ببالي من قبل: خطأ استعمال كلمة «كلاسيكية»، حيث رأى أن المفردة الأصح هي «كلاسية».

استند نادر في رأيه إلى حدوث خطأ فادح عند دخول كلمة Classic إلى اللغة العربية، مفاده أن الناقلون والمترجمون لم يكتفوا آنذاك بنقل جذر الكلمة Class، وهو ما يحدث في حال عدم وجود مقابل ناجع لأي كلمة إفرنجية تدخل نسيج العربية، بل نقلوا معها اللاحقة أو النسب –ic التي تستخدم في اللغة الإنجليزية لتحويل الاسم إلى صفة فأصابتها داء العجمة المتفشي في اللغة العربية –وهو أمر يستحق أن نفرد له مقالًا أو بضعة مقالات لاحقًا- ومن أجل توصيل الفكرة، ضرب نادر مثالًا طريفًا نابعًا من عشقه لعلم الإحاثة، فقال: عندما ننظر لكلمة Jurassic التي عُرِبَت بالفعل إلى «چوراسية»، وهو تعريب لا غبار عليه، ألن يبدو غريبًا حين نراها مُعربة إلى «چوراسيكية»؟

ويذهب إلى نفس الرأي ويوضح الصورة أكثر الناقد الأدبي الأردني الدكتور يوسف بكار، فخلال حوار صحافي أُجرى معه بصحيفة الخليج، حين سُئل: «ما مفهومك للأعمال الكلاسيكية؟»، أجاب: «أعترض على مصطلح كلاسيكية، والصحيح أن يقال كلاسية نسبة إلى كلاس وليس كلاسيك التي هي صفة في لغتها الأم، ومفهومي للكلاسية هو المفهوم الصحيح للمصطلح، وليس كما يفهمه الكثيرون الآن من أنه التقليدي أو القديم الذي لا فائدة منه، فالكلاسية مذهب أدبي له قيمة وله أهميته، يعنى بالأعمال القديمة الجيدة فهو كغيره من المذاهب يعود ويذهب، وأنت تلاحظ الآن عودتنا السريعة إلى الكلاسية في الأدب واللبس والطعام والآثار وكل ما يتعلق بشؤون الحياة»*.

لكن على النقيض من رأي نادر ويوسف، لا يرى الشاعر والمدقق اللغوي محمود عبد الرازق جمعة في كتابه العمدة «الأخطاء اللغوية الشائعة في الأوساط الثقافية» أي مشكلة على الإطلاق في استخدام كلمة «كلاسيكية»، وبعدما أورد في بداية حديثه رأي أحد أساتذة اللغة العربية بجامعة حلوان الذي ذهب نفس مذهب نادر ويوسف، يدلي محمود برأيه المعاكس قائلًا: «في اللغة العربية إذا أردنا النسب إلى كلمة «القاهرة» مثلًا قلنا: «قاهري»، وإذا أردنا النسب إلى «قاهري» (التي هي كلمة منسوبة أصلًا)، حذفنا ياء النسب وأضفنا ياء جديدة، حتى لا تجتمع ياءا نسب مما يثقل على اللسان وعلى الأذن، فلا يمكن أن نقول «قاهريي»! بل نقول أيضًا «قاهري». فماذا إذا أردنا النسب إلى كلمة Classic الإنجليزية؟ هنا لن تواجهنا مشكلة اجتماع ياءي النسب، فليس ثقيلًا على اللسان أن ينطق ياء النسب العربية بعد المقطع ic الإنجليزي، فيمكننا في هذه الحالة أن نقول: «كلاسيكي»، ولنا أن نعتبرها نسبة إلى Class أو Classic، فالمؤدى واحد، فلو أننا قلنا «شافعي» فلا ندري أهي نسبة إلى الإمام الشافعي، أم إلى ما نسب إليه الإمام الشافعي، أم إلى من نسبوا إلى الإمام الشافعي.. فما دام الأصل واحدًا، فالنسبة إلى أي من الأفرع تعني الانتماء في النهاية إلى الأصل»**.

في النهاية يبقى السؤال: أنترجمها إذًا «كلاسيكية» أم «كلاسية»؟ يتوقف الأمر على المدرسة التي تنتمي إليها، سواء أكنت من المدرسة المؤمنة بضرورة عدم الاستسلام لسطوة الأخطاء الشائعة لمجرد جريانها على الألسنة حتى صارت مألوفة فتسير عكس التيار وتترجمها كما تراها صحيحة، أم من المدرسة العاملة بمبدأ «خطأ شائع خير من صواب مهجور» وتبقي على الخطأ رغم يقينك ومعرفتك بأنه خطأ دون ريب، وذلك اجتنابًا لإرباك القارئ والتشويش على تجربته القرائية، فلا نصحح يوليوس قيصر –مثلًا- إلى چوليوس سيزر (رغم أنه لم يكن قيصرًا أصلًا)، ولا إيزابيل ألليندي إلى إيزابيل أيينده.


هامش:

*  يوسف بكار: علاقة طه حسين بالأدب الفارسي ليست دقيقة | صحيفة الخليج

**  محمود عبد الرازق جمعة، الأخطاء اللغوية الشائعة في الأوساط الثقافية، دار بتانة، صـ 140

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *