وسط أنقاض عمارة مُدمّرة، رأيتُ كتابًا ترجمته
مقال أمير مهدي حقيقت
ترجمة منى صادق
نشر في الجارديان – 7 يناير 2026
وسط ركام عمارة سكنية منهارة، بقيت صورة واحدة عالقة في ذهني: كتاب ترجمته من الإنجليزية إلى الفارسية، نصف مدفون في الغبار والرماد، غلافه ممزق ومطموس المعالم، وصفحاته ملتوية ومحترقة، لكنه لا يزال مقروءًا -لا يزال ينطق.
كانت صواريخ إسرائيلية بدأت تقصف طهران قبل ذلك بيومين في 13 يونيو 2025 دون صفارات إنذار، فقط انفجارات مفاجئة وعنيفة انقطع بعدها الإنترنت تمامًا. كنتُ في شقتي أترجم كتابًا ألفته جومبا لاهيري بعنوان «ترجمة نفسي والآخرين»، وهو كتاب عن ماهية نقل الكلمات بين اللغات، وعن أخلاقيات ومخاوف التحدث على لسان الآخر. وبينما كانت المباني تنهار من حولي، جلستُ أُراجع نصًا يجادل بنبرة هادئة حول ديمومة المعنى.
توقف كل شيء؛ كتابٌ كان ناشري على وشك إرساله إلى المطبعة وظل معلقًا بعد إغلاقها؛ ثم أُغلقت المكتبات واحدة تلو الأخرى. في إحدى الليالي، حين اقتربت الانفجارات للغاية ركضتُ مع عائلتي على السلالم إلى البدروم أسفل الجراج. لم أستطع التوقف عن التفكير في مكتبتي بالأعلى، بما فيها من قواميس، وطبعات نادرة قضيت سنوات أجمعها، وكل كتاب ترجمته. كانت تلك المكتبة خلاصة حياتي، ولم أكن أعرف من سينجو من تلك الليلة، أنا أم مكتبتي!
رحلت حبيبتي مع والديها إلى إلى مدن ظنّوا أنها أكثر أمانًا -لكنها لم تلبث أيام حتى طالها القصف هي الأخرى. وسافرت ابنتي للإقامة في مدينة أخرى مع أمها. وبينما كان قطارها يتحرك، أرسلت لي صورة مصنع يحترق في الأفق ودوامة دخان أسود تصعد منه إلى السماء. فجأة صار أحبّ الناس إليّ في أماكن أخرى، وبدا الخطر وكأنه يلاحقهم حيثما ذهبوا.
كانت المشاعر في تلك الأيام تتقلب في المدينة كما تقلبات الطقس؛ خوف مفاجئ، وقلق، وغضب أخلاقي من الظلم، ثم تبَلُّد. وإلى جانب العبء النفسي، حطم القصف قدرتي على العمل. مع انقطاع كهرباء والإنترنت، فقدت أدوات البحث السريع والمراجع الفورية التي تتطلبها الترجمة.
اقتلعت موجات الانفجار خارج بيتي الشبابيك من براويزها. وفي بيت قريبتي، تحطم كل الزجاج، وتناثرت أشلاء الأثاثات والأغراض المنزلية المحطمة في أرجاء الغرف. عندما زرتها رأيت امرأة تجلس أمام الأنقاض وحامل لوحاتها، ترسم وتعلن عن رفضها أن تكون اليد العليا للصمت والغبار.
انتشرت على وسائل التواصل صورة بارنيا عباسي، شاعرة شابة في الثالثة والعشرين، قُتلت حين أصابت الصواريخ مبنى. ومعها كالنار في الهشيم انتشرت قصيدتها:
سأنتهي…
سأحترق…
سأكون ذاك النجم المنطفئ.
في شارع كنت أشتري منه القواميس يومًا، رأيت امرأة عجوز تركض بين الأزقة وهي تنادي اسمًا. قال الجيران إنها فقدت ابنًا في الحرب الإيرانية العراقية منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وإن القنابل، وإصابتها بالآلزهايمر، أيقظت فيها ذكرى مدفونة. كانت تبحث عن طفل لن يعود إلى البيت أبدًا -بأي لغة كانت. كنا جميعًا نترجم، كلٌّ على طريقته: نحول الدمار إلى صورة، والموت إلى شعر، والحزن إلى بحث.

بعد بدء الهجمات بأسبوع، وبينما كان الدمار لا يزال يحيط بي، وجدت نفسي أترجم كتاب «أقمار كثيرة»، حكاية الأطفال التي كتبها جيمس ثوربر، وهي عن ملك لن تُشفى ابنته إلا إذا استطاعت حمل القمر. ومع أنها حكاية كُتبت للأطفال، فقد قدمت لي وقتها معنى عميقًا. كان ثوربر نفسه، الذي فقد بصره تدريجيًا إثر حادث في طفولته، قد واصل الإبداع حتى نهاية حياته، مدركًا معنى السعي وراء المستحيل. وتساءلت: هل كان القمر هو السلام الذي نتوق إليه جميعًا؛ يبدو بعيد المنال، لكنه يظل جديرًا بالمحاولة؟ في ليالي القصف تلك، أدركت أن الترجمة ليست مجرد حرفة أدبية، بل فعل مقاومة، فعل بقاء، وتمسّك بالمكان.
وفي أحد الأيام، في وضح النهار، أصابت الانفجارات سجن إيفين في طهران. في تلك الساعات نفسها، كنتُ أترجم مقاطع كتبتها لاهيري عن الزعيم السابق في الحزب الشيوعي الإيطالي، أنطونيو غرامشي، وهو في زنزانته يطلب قواميس أكثر، ويصرّ على أن تكون دراسة اللغات هي «نشاطه الأساسي». كانت الترجمة بالنسبة لغرامشي -على حد قول لاهيري- «واقعًا وطموحًا وانضباطًا وركيزةً ومجازًا» في آن واحد. وقد قال مرة إنه حتى لو حُكم عليه بالإعدام، لقضى ليلته الأخيرة بهدوء يدرس اللغة الصينية.
ثم جاءت الصورة! التقطتها عيناي في موقع أخبار إلكتروني، رأيتُ إحدى ترجماتي القديمة بين أنقاض عمارة. كان الكتاب يرقد مُشوَّهًا لكنه صامد، واسمي مكتوب على غلافه. كانت الصورة ملونة، لكن بدت لي وكأنها بالأبيض والأسود، منزوعَة الحياة وسط الخرسانة والركام، كما هو حالي طوال مسيرتي المهنية وحال كل المترجمين، لا يرانا أحد. لكن ها هو عملي ظاهرًا للعيان، مُشوَّه، لكنه باقٍ.
حدّقت في الصورة طويلًا. تقول لاهيري إن «كل ترجمة فعل سياسي»، لكنني لم أستشعر وطأة هذه العبارة إلا حينها. أن تترجم، حتى تحت القصف، يعني أن تقول: «هذه الكلمات مهمة، ولن تُمحى». فالترجمة ليست مجرد نقل القصص بين اللغات، بل ضمان بقائها حين يزول كل شيء آخر. إنها رفض صامت وعنيد للزوال.

